على عبد الرازق

من ويكيبيديا، الموسوعه الحره
روح على: استكشاف، تدوير
على عبد الرازق (1888-1967)

على حسن أحمد محمد عبد الرازق، الشيخ ( البهنسا، أبو جرج ، محافظة المنيا، 1888 - القاهره، 23 سبتمبر 1967 ). مفكر و أديب مصرى كبير درس فى الأزهر و فى نفس الوقت فى الجامعه المصريه السيكولاريه و أخد شهادة العالميه من الأزهر سنة 1912. سافر انجلترا و درس فى جامعة اوكسفورد السياسه و الإقتصاد و رجع مصر بعد ماقامت الحرب العالميه الأولى. اشتغل فى القضاء فى المحاكم الشرعيه و بقى عضو فى مجلس النواب و الشيوخ و اتعين وزير للأوقاف. كان عضو فى المجمع اللغوى وليه مؤلفات مهمه فى الأدب و الفلسفه. ناقش فى كتابه " الإسلام وأصول الحكم " فكرة الخلافه و الحكومه فى الإسلام فعمل ضجه كبيره و اتحكم عليه بتجريده من شهادة العالميه الأزهريه. الملك فؤاد الأول اللى كان بيتطلع لمنصب خليفة المسلمين كان ورا محاكمته. أخوه المفكر الكبير و شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق.

نشئته

درس على عبد الرازق فى جامعة اكسفورد العريقه.

إتولد على عبد الرازق فى قرية أبو جرج فى محافظة المنيا سنة 1888. أبوه حسن باشا عبد الرازق درس فى الأزهر و كان عضو فى المجالس شبه النيابيه ، و أمه " خدوجه بنت الحاج عثمان الشريعى " كانت من سملوط. كان ليه خمس اخوات شققه هما حسن و حسين و محمود و اسماعيل و مصطفى عبد الرازق ، و أختين و أخ اسمه ابراهيم ماكانوش شققا. بعد ما اتعلم فى الكتاب و حفظ القرآن دخله ابوه الأزهر فى القاهره عشان يكمل تعليمه ، و لما اتفتحت الجامعه المصريه السيكولاريه التحق بيها و بقى بيدرس فيها جنب دراسته فى الأزهر. فى سنة 1912 خلص تعليمه فى الأزهر و أخد شهادة العالميه ، وفى يوليه سافر مع اخوه مصطفى عبد الرازق على فرنسا اللى على كان بيدرس فيها لكن سابه هناك و راح على انجلترا إكمن ابوه كان عايزه يكمل تعليمه هناك ، فدخل جامعة اوكسفورد و درس السياسه و الإقتصاد و فضل هناك لغاية ما قامت الحرب العالميه الأولى فرجع مصر سنة 1915 ، و اتعين قاضى شرعى و فضل فى الشغلانه دى فى محكمة المنصوره الشرعيه لغاية ما نشر كتابه المشهور " الإسلام و أصول الحكم ".

كتاب الإسلام وأصول الحكم

الإسلام وأصول الحكم نشره على عبد الرازق سنة 1925.
فؤاد الأول كان عايز يبقى خليفة المسلمين.
اتاتورك لغى الخلافه العثمانيه.

فى ابريل 1925 نشر على عبد الرازق كتاب بعنوان " الإسلام وأصول الحكم " قلب الدنيا فى مصر. الكتاب ده بيعتبر أكتر كتاب عمل ضجه فى تاريخ مصر الحديث مع ان موضوعه كان بسيط و هو ان فكرة نظام الخلافه غريب على الإسلام و مالهوش اساس لا فى المصادر و لا الأصول المعتمده للإسلام وهى الكتاب و السنه و الإجماع. الكتاب ده ما عملش ضجه اكمنه ناقش قضيه فكريه معينه أو بسبب جرأة المؤلف فى طرح موضوع محدد لكن بسبب انه كان سهم موجه لعرش مصر و للملك فؤاد الأول بالذات فى وقت اتجمعت فيه مجموعة ظروف و ملابسات سياسيه و دوليه و اجتماعيه فى مصر حولوا الكتاب لمعركه حاميه عمرها ما حصلت لكتاب فى مصر و لا حتى كتاب " فى الشعر الجاهلى " بتاع طه حسين. لو الكتاب ده اتنشر فى أى وقت تانى كان ممكن يعدى من غير ماحد يعيره اهتمام لكن الكتاب اتنشر فى وقت ما الملك فؤاد كان بيحضر نفسه عشان يبقى خليفة المسلمين بعد ما لغى مصطفى كمال اتاتورك نظام الخلافه العثمانيه فى 3 مارس 1924.

بعد ما حكمت الخلافه العثمانليه اكتر من أربع قرون انتهى اجلها على ايد اتاتورك و بقى العالم الاسلامى السنى لأول مره فى تاريخه مافيهوش حد منصبه خليفه او حتى سلطان المسلمين. فى الظروف ابتدا ملوك و امرا يفكروا فى امكانية حصولهم على المنصب ده كان فى مقدمتهم الملك فؤاد الأول. فى مصر كان اتعمل مؤتمر اسمه " المؤتمر الإسلامى العام للخلافه " و اصدر المؤتمر مجله اسمها " الخلافة الإسلامية " بتنادى بمبايعة ملك أو أمير لخلافة المسلمين الملك فؤاد و اعوانه كانوا هما اللى ورا المؤتمر ده و غيره من النشاطات التانيه اللى انتشرت فى نواحى مصر مش فى القاهره بس و حتى بره مصر و كانت بتصب فى موضوع الخلافه. مجلات و جرانيل و اوساط كتيره ابتدت تركز على الموضوعات الدينيه المتعلقه بموضوع الخلافه و الامامه فى الاسلام و ظهرت فتاوى و اقاويل بتقول ان صفة الاسلام خلاص زالت عن المجتمعات الاسلاميه و شعوبها اللى بقوا فى " الجاهليه " بسبب لغى اتاتوك للخلافه العثمانيه و ان المسلمين بيعتبروا عايشين فى أثام و خطايا مادام ماعندهمش خليفه و انهم حا يتعاقبوا فى الدنيا و الأخره اذا فرطوا فى الموضوع.

من ناحيه تانيه الكتاب اتنشر فى وقت ماكان الملك فؤاد بيجرب قدراته الاستبداديه ضد دستور 1923 و ضد حزب الوفد و سعد زغلول و ضد مجلس النواب اللى انتخب فى 24 فبراير 1925 و كسب فيه حزب الوفد بأغلبية ساحقه رغم الضغوطات و التزوير فحله الملك فؤاد فى نفس يوم افتتاحه.

الانجليز المحتلين مصر كانوا موافقين على موضوع الخلافه و بيلعبوا على وتره طالما انهم حا يستفيدوا منه بحكم إن " الخليفه " و بلده و كل مستعمراتهم فى الشرق الإسلامى فى ايدهم ، فلما اتنشر الكتاب ماكانش بس ضربه للملك فؤاد و القطاعات العريضه الرجعيه فى العالم الإسلامى لكن كان ضربه ليهم هما كمان بوظت لعبتهم فى مصر و فى مستعمراتهم " الإسلاميه ".

بعد نشر الكتاب طالبت طايفه من شيوخ و طلبة الأزهر مصادرة الكتاب و منعه و راحت وفود لشيخ الأزهر وقتها " محمد أبو الفضل الجيزاوى " للتعبير عن غضبها من إن رئيس الوزاره اسماعيل صدقى و وزير داخليته ما بيعملوش حاجه لمنع الكتاب و اتبعتت ألاف التلغرافات من نواحى مصر تندد بالكتاب و تطالب بمنعه و راحت وفود للملك فؤاد اللى كان بيصيف فى قصر المنتزه فى اسكندريه و طالبته بإتخاذ إجراء ضد على عبد الرازق و كتابه.

الحمله اللى اتشنت على الكتاب و مؤلفه ماكانتش مجرد رد فكرى أو نقاش نظرى أو صراع رأى لكن كانت اكبر من كده حيث انها اتخطت خط الصراع الفكرى و الحجه بالحجه ، و اتواجه الكتاب مش على انه محاوله فكريه أو اجتهاد نظرى جايز يكون صح أو غلط لكن بإعتباره " عمل مشين " يستوجب عمل محاكمه دينيه و الحكم على صاحبه " بالحرمان " من الإنتساب للأزهر و حتى تقريباً سحب منه حقوق المواطنه المصريه اللى كفلهاله الدستور. المسئول عن إخراج المعركه من الإطار الفكرى كانت السرايا. السرايا الملكيه عملت كل حاجه لإقناع مشيخة الأزهر بمعالجة الموضوع كعمل مشين يستوجب حاجه زى " الحرمان من الحقوق المدنيه " و الطرد من جماعة العلماء.

موقف مفكرين و زعما و احزاب مصر

سعد زغلول هاجم على عبد الرازق.

السرايا قدرت على المستوى الشعبى انها تحرك قوى ضد كتاب " الإسلام وأصول الحكم " و افكاره. أهم القوى اللى شاركت فى المعركه كانت حزب الإتحاد ، و هيئة كبار العلماء ، و حزب الوفد ، و حزب الأحرار الدستوريين ، و الليبراليين ، و الإنجليز.

الأحزاب السياسيه

حزب الاتحاد كان فى مقدمة القوى اللى اتحركت ضد الكتاب. حزب الاتحاد كان حزب السرايا و كان بيضم الطبقات الرجعيه و المش مستنيره من طبقة الاقطاعيين المصريين و كبار الملاك. الحزب ده كانت عملته السرايا لمناؤة حزب الوفد اللى الانجليز كانوا بيعتبروه حاجه زى جمعيه ثوريه.

وقت الأزمه حزب الاحرار الدستوريين كان فى إئتلاف مع حزب الإتحاد فى وزارة زيور باشا ، و كان رئيسه عبد العزيز فهمى باشا وزير للحقانيه وقتها. حزب الاحرار الدستورين كان زى حزب الاتحاد بيمثل طبقة الاقطاعيين المصريين و الملاك الكبار لكن ، على عكس حزب الاتحاد ، الاقطاعيين و الملاك اللى كان بيمثلهم الاحرار الدستوريين كانوا طبقه الاقطاعيين و الملاك المستنيريين مش المحافظين و الرجعيين ، و كانت مواقف الحزب دايماً فى صف حرية التفكير و التعبير ، لكن رغم كده ، و رغم وقوف الأحرار الدستوريين بالكامل فى صف على عبد الرازق عن طريق حزبهم السياسى و عن طريق جورنالهم اليومى " السياسه " ، ايدوا الاتحاديين و السرايا و الانجليز فى قمع الصحفيين و ايدوا المرسوم اللى اصدرته الوزاره لتقييد حرية الصحافه. الازدواجيه دى كان سببها طبيعة الحزب حيث انه كان بيؤمن بالحريه الفكريه اذا كانت متعلقه بالصفوه او المفكرين مش لما تكون متعلقه بالشعب و عامة الناس. أفكار على عبد الرازق كانت امتداد أو تطوير لأفكار الإمام محمد عبده و جورنال " السياسه " نشر مقاله مهمه بعنوان " الخلافه والسلطه الدينية فى رأى الشيخ محمد عبده " وضحت فيه إن اللى كتبه على عبد الرازق عالج بالتفصيل النقط اللى اشار ليها محمد عبده بإيجاز اللى كان منها " علمت أنه ليس فى الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير و التنفير عن الشر " و إن " ليس فى الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه " و إن " الجهاد " اهدافه سياسيه مش دينيه.

سعد زغلول و الوفد

سعد زغلول كان ليه موقف معادى لعلى عبد الرازق حيث انه قال انه قرا الكتاب بتمعن و استغرب لما شاف عالم دينى كتب فى موضوع زى ده بالإسلوب ده ، و انه قرا كتب كتيره للمستشرقين و ما شافش حد منهم طعن فى الإسلام زى ما عمل الشيخ على عبد الرازق. ده كان موقف مشين لإنه مش بس انتقد فكرة الكتاب لكن حاول كمان تلبيس على عبد الرازق تهمه خطيره جداً. موقف سعد زغلول كان من المحتمل سياسى نابع من منافسة حزبيه مع حزب الأحرار الدستوريين اللى كان بيرتبط بيه على عبد الرازق ، و اللى كان ضد موضوع الخلافه و ان الملك فؤاد يبقى خليفه ، و كان الأحرار الدستوريين بيهاجموا فكرة الخلافه اللى بيروج ليها المستبدين و الرجعيين و ديولهم المنتفعين. سعد زغلول و حزب الوفد حاولوا يستغلوا الموضوع لصالحهم و ظهرت مقاله فى " كوكب الشرق " كتبها وفدى جه فيها : " إن المقصود هو العرش المصرى والتاج المصرى و ذات الملك فؤاد ".لكن ده مش معناه ان كل الوفديين كانوا ضد كتاب على عبد الرازق فأغلب الأصوات وقفت مع حرية الرأى و حق على عبد الرازق فى التفكير التعبير و الغلالبيه اعتبروا ان الموضوع سياسى مش دينى أججته السرايا للعب بالدستور.

شيوخ هيئة كبار العلما

بطبيعة الحال مش كل شيوخ هيئة كبار العلماء استجابوا للسرايا ففيه عارضوا معالجة الموضوع بالاسلوب ده و عبروا عن رأيهم و فيه عارضوا عن طريق الصمت. ولا كل الشيوخ اتحركوا بوازع من السرايا ، فبغض النظر عن موقف السرايا الكتاب كان فيه حاجات عارضها مشايخ من غير ما يحتاجوا وز من السرايا أو غيرها فالكتاب رغم إنه صغير لكن كان جواه كلام جامد منه كلام ممكن يعتبر استفزازى زى استخدام " لادينيه " بدل مثلاً " سياسه مدنيه " أو " دوله مدنيه ". لفظ " لادينيه " كان بيتاخد اياميها على انه " زندقه و إلحاد ". محمد رشيد رضا كتب فى مجلته " المنار " مقاله بعنوان طويل عريض هو " الإسلام و أصول الحكم. بحث فى الخلافة والحكومة فى الإسلام، بل دعوة جديدة إلى نسف بنائها، وتضليل أبنائها " ، و فى المقاله دى قال إن خصوم الإسلام حققوا انتصار فى الحرب السياسيه العلميه اللى شنوها على الإسلام و المسلمين ، و إن نتيجة الحرب دى " أشد و أنكى من الحروب الصليبية بإسم الدين " و اتسببت فى محو اسم السلطنه العثمانيه الاسلاميه و الغاء الاتراك لمنصب الخلافه من دولتهم الصغيره اللى فضلت لهم من السلطنه العظيمه و بقت دولتهم جمهوريه مش مقيده بالشرع الإسلامى بعد ما حصل انفصال كامل مابين الدوله و الدين ، و إن ده شجع أنصار مدنية السلطه و الحكومه فى مصر. و بعدين مهد محمد رشيد رضا فى مقالته لمحاكمة على عبد الرازق عن طريق هيئة العلماء بقوله : " انه لا يجوز لمشيخة الأزهر أن تسكت عنه فإن المؤلف .. رجل منهم، فيجب عليهم أن يعلنوا حكم الإسلام فى كتابه ".

الليبراليين

غير دول و دول كان فيه كمان المثقفين الليبراليين اللى بيعتنقوا مذهب الحريه و اللى ماكانوش مرتبطين بأحزاب سياسيه ، و دول كانوا دايماً بيدافعوا عن حرية البحث و الرأى و حق الكتاب و المفكرين فى ابداء الرأى و نشر ارائهم بحريه من غير ضغوط استبداديه. الليبراليين وقفوا فى صف على عبد الرازق و حقه فى البحث و النشر. مجلة الهلال فى عدد يوليه 1925 نشرت مقاله صغيره وصفت فيها على عبد الرازق بإنه من علماء الازهر البارزين اللى بيسلكوا طريق " الإجتهاد والإستنباط " و وصفت كتابه بإنه " مؤلف فريد.. جاء خير أنموذج يحتذى فى الإستدلال والإستشهاد والإستنتاج ". و بعدين اتكلمت عن القضيه الاساسيه و هى الكتاب فأيدت اللى قاله المؤلف من غير تطويل وقالت ان " المؤلف استنتج ان الخلافه مالهاش أصل فى الدين ، و ان الخليفه حاكم ، مفيش دخل للدين فى وجوده أو فى عدم وجوده. المؤلف بكده بيوافق نظرية الأتراك الحديثه فى فصل الخلافه عن الحكم ، و شايف ان كل بلد اسلامى حر فى انتخاب الحاكم ، و سواء كان الأستاذ على عبد الرازق صح - و هو اعتقادنا - أو غلط فالنظريه بتتفق مع اصول الحكم فى القرن العشرين ، اللى بيدى السياده للأمه مش لأى حد تانى من الافراد مهما كانت ولادتهم أو ميزاتهم التانيه ".

مجلة " المقتطف " من ناحيتها ركزت على جرأة المفكر و امثاله و جهدهم لإحياء نهضات الأمم ، و اتكلمت عن المعارك اللى خاضها " مارتين لوثر " و " محمد عبده " و غيرهم من المصلحين فى الغرب و الشرق.

المفكرين و الزعما

اختلفت اراء مفكرين مصر و زعمائها ، سعد زغلول كان ليه موقف معادى ، و الشيخ محمد شاكر الوكيل السابق للأزهر كتب مقاله اتهم فيها على عبد الرازق بإنه بيحبذ ان تقوم فى مصر " جمهوريه لا دينيه " ، يعنى جمهوريه سيكولاريه و دى بطبيعة الحال كانت تهمه خطيره لإن معناها انه بينادى بالإطاحه بالملك.

عباس محمود العقاد دافع عن الحريه الفكريه و كتب فى جورنال " البلاغ " بتاريخ 20 يوليه 1925 مقاله بعنوان " روح الاستبداد في القوانين والآراء " قال فيها انه خايف تكون روح الإستبداد انتشرت بين جوانب من الرأى العام فنست الناس ان الحريه الفكريه ليها حرمه و إن الباحثين ليهم حقوق ".

المفكر محمد حسين هيكل كان ليه هو كمان موقف مشرف فى الدفاع عن على عبد الرازق و كتب مقاله قال فيها ان الشيخ على عبد الرازق ماعملش حاجه غلط يستحق المحاكمه عليها و إتسائل فى سخريه : " ماذا تقول فى عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة فى وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين و كل أمير من أمراءهم فى أن يكون خليفة ؟ ماذا تقول فى عالم مسلم مصرى يقول بوجوب ارتباط مصر و انجلترا برباط الصداقة، ويذهب فى أن يكون هذا الخليفة واحد من الملوك أو الأمراء الواقعين تحت نفوذها ؟ ".

سلامه موسى المفكر المعروف بسعة الثقافه و نظرته العالميه و محاربته للإستبداد كتب مقاله فى مجلة " الهلال فى عدد أكتوبر 1925 قارن فيها محاكمة على عبد الرازق بمحاكمة حصلت اياميها لمدرس فى امريكا اسمه " سكوبس ". سكوبس فى حصه مدرسيه قال لتلامذته إن قصة ادم و حوا اللى حكتها التوراه خرافه و ان الصح هو ان الإنسان و القرد من أصل واحد ، فإتعملت ضده قضيه بتهمة مخالفته لتعاليم التوراه و اتحكم عليه بدفع غرامه. سلامه موسى شاف ان فيه تشابه بين القضيتين ، حيث ان الأستاذ على عبد الرازق اتوصل لإن الخلافه مش أصل من أصول الإسلام فإتحكم عليه بالخروج من زمرة العلما ، وبكده القضيتين فى مصر و امريكا متصلين بأغلى حاجه عرفها العالم و هى حرية التفكير و الرأى ، و إن مستر سكوبس الامريكانى و على عبد الرازق المصرى ليهم الحق فى التعبير عن ارائهم بحريه من غير اى قيد إلا الإخلاص.

موقف الانجليز

لورد كرومر المندوب السامى البريطانى وقت ازمة الشيخ محمد عبده.
غاندى، الانجليز ايدوا الخلافه الاسلاميه لضرب حركته فى الهند.

الانجليز اللى كانوا ماسكين بخيوط السياسه المصريه اياميها كانت علاقتهم بالأحرار الدستوريين متينه و معروفه. ايام ازمة الشيخ محمد عبده مع الخديوى عباس حلمى التانى وقف مندوب ريطانيا السامى فى مصر اللورد كرومر فى صف محمد عبده لكن المره دى فى ازمة على عبد الرازق مع الملك فؤاد موقف الانجليز كان معاكس ، وساب الانجليز صحابهم التقليدين فريسه تنهشها السرايا و القوى المؤيده ليها و ما اتحركش " دار المندوب السامى البريطانى " لمناصرة الشيخ على عبد الرازق زى ما عمل فى حالة الشيخ محمد عبده ، رغم ان الازمه اتسببت فى حصول تصدع فى الإئتلاف الوزارى اللى الانجليز عملوه مابين حزب الاتحاد و حزب الأحرار الدستوريين عشان يحاربوا حزب الوفد و سعد زغلول. جورنال التايمز الانجليزى كتب : " اتملكت مصر فى الايام الاخيره الحركه الاسلاميه الحديثه مع زيادة الحريه الاجتماعيه للنسا ، و رقى الحضاره ، و اصلاح التعليم ، ورقى الحكم الدينى الاسلامى. الشيخ على عبد الرازق هو خلف الشيخ محمد عبده و قاسم أمين فى ارائهم الساميه. الشيخ محمد عبده قدر بفضل نفوذ اللورد كرومر انه ينجا من مكايد كتيره و من عداوة السرايا ، لكن المصلحين التانيين مالهمش حد يناصرهم ". و كتب محمد حسين هيكل : " تريد انجلترا أن يكون خليفة، و أن يكون هذا الخليفة واحداً من الملوك أو الأمراء الواقعين تحت نفوذها ".

فى دراسته القيمه عن الأزمه ذكر د. محمد عماره ان الانجليز كانوا عايزين يلعبوا بلعبة " الخلافه الاسلاميه " و الاستفاده منها على قد مايقدروا ، و علل موقفهم لكذا سبب ، الأولانى انهم عن طريق ادية الأمل للملك فؤاد يبقى فى امكانهم التحكم فى العرش و لم كل القوى المعاديه لحزب الوفد و سعد زغلول حواليه و بالتالى ممكن يبقى فى مقدورهم تصفية بقايا ثورة 1919. السبب التانى ، ان انجلترا كانت عايز تكسب نفوز ادبى عند المسلمين فى مستعمراتها التانيه و بالذات فى شبه القاره الهنديه اكمن المسلمين هناك كانت عجباهم فكرة الخلافه الاسلاميه و بكده يقدر الانجليز يكسبوا قلوب المسلمين الهنود و يبعدوهم عن الانخراط مع الهندوس فى الحركه الوطنيه اللى كانت وقتها بتتبولر بزعامة المهاتما غاندى و حزب المؤتمر. السبب التالت ، ان الانجليز شافوا ان مضاعفات الازمه اتسبب فى انخراط قوى كتيره فى الدفاع عن الكتاب و مؤلفه تحت شعارات الدفاع عن حرية التفكير و التعبير فخافوا من إن الحركه دى اللى بتتحرك فى احشاء المجتمع المصرى ممكن توصل لتمرد شعبى ضد العرش و الملك و بالتالى اضعاف المؤسسات الوهميه اللى عملها الانجليز لتكريس وجودهم فى مصر و مواجهة حزب الوفد و القوى الاجتماعيه الجديده.على الاساس ده الانجليز قرروا ان موضوع على عبد الرازق " موضوع مؤقت " مش لازم يخليهم يغفلوا عن الاخطار التانيه المرتقبه و انهم لازم يكونوا فى صف العرش من غير مايكون فيه مانع انهم يكونوا مؤقتاً ضد صحابهم التقليديين الاحرار الدستوريين. الانجليز اتبنوا نظرية السرايا اللى بتقول ان القضيه قضيه دينيه مش دستوريه و لا سياسيه و بالتالى المختص بيها هى " هيئة كبار العلماء " فى الأزهر من غير تدخل خارجى. و صرح السير " نيقل هندرسون " المندوب السامى البريطانى فى مصر بالنيابه بإن " دار المعتمد البريطانى، نظراً لوصف المسأله بإنها دينيه، ما اتدخلتش ، تبعاً للتقاليد اللى اتبعتها قبل كده فى الاحوال المشابهه " ، و طوالى بدأت الجرانيل اللى بتخدم الانجليز فى مصر و منها جورنال " المقطم " تطبل للنظريه دى ، و بكده اتفق جورنال " المقطم " مع جورنال " المنار " مع " المندوب السامى البريطانى فى مصر بالنيابه " مع " هيئة علماء الأزهر " على ان قضية على عبد الرازق و كتابه " مسأله دينيه بحته " و ده عشان الانجليز يبرروا سبب وقوفهم فى صف العرش و تخليهم عن صحابهم التقليديين. بيقول الدكتور عمارة إن التشخيص ده كان طبعاً غلط بدليل ان الازهر لغى الحكم اللى اتعمل ضد الشيخ على عبد الرازق فى عهد الملك فاروق بعد مازالت الظروف السياسيه اللى ادت للازمه فى عهد الملك فؤاد. من ناحيه تانيه ، الرأى العام فى مصر كان ضد موقف الانجليز ، و الجرانيل الانجليزيه نفسها اشارت للنقطه دى.

المحاكمه

فى 17 سبتمبر 1925 اتفصل على عبد الرازق من شغله كقاضى فى المحكمه الشرعيه فى المنصوره بعد ما عملت له " هيئة كبار العلماء " الأزهريه محاكمه تشبه محاكمات محاكم التفتيش و اتقرر فيها تجريده من شهادة العالميه اللى كان أخدها من الأزهر و طرده من جماعة علما الأزهر.

هيئة علماء الازهر اجتمعت لمحاكمة على عبد الرازق بموجب الماده 101 من قانون الازهر رقم 10 اللى اصدره الخديوى عباس حلمى التانى سنة 1911 لإخماد تمرد الازهرين و ثورتهم عليه. الهيئه وجهت سبع تهم لعلى عبد الرازق و بعتتهاله فى 29 يوليه 1925 و بلغته بإنها حا تعمل يوم 5 اغسطس 1925 جلسه على صورة " هيئه تأديبيه " ، فطلب التأجيل عشان يقدر يجهز دفاعه ضد التهم فأجلت الهيئه ميعاد المحاكمه اسبوع ليوم 12 أغسطس 1925.

لما دخل على عبد الرازق مكتب شيخ الأزهر لقى 24 من المشايخ قاعدين حوالين ترابيزه و فى وسطهم الشيخ " محمد أبو الفضل الجيزاوى " شيخ الأزهر وقتها ، وكان قاعد بين الشيخ " بخيت " و الشيخ " قراعة " ، فقالهم عبد الرازق " السلام عليكم " لكن ماحدش رد عليه و قاله الشيخ أبو الفضل بعصبيه : " اقعد عندك " ، فقعد على كرسى قدامه. مسك الشيخ ابو الفضل الكتاب و سأل عبد الرازق : " ده كتابك ؟ " ، فرد عبد الرازق : " ايوه ده كتابى " ، فسأله الشيخ : " و انت مصمم على كل اللى فيه ؟ " ، فكان رد عبد الرازق : " ايوه مصمم على كل اللى فيه " ، فراح الشيخ رامى الكتاب على الترابيزه و قال : " هذا الكتاب كله ضلال و خطأ، لكن احنا كتبنا لك عن نقط سبعه فيه، و لو ان فيه غيرها كتير، كلها ضلال أيضاً ". الشيخ قرا له التهم السبعه من ورقه و كانت أخطرها تهمة إنه عمل من الشريعه الإسلاميه شريعه روحيه بس ، مالهاش علاقه بالحكم و التنفيذ فى المسائل الدنيويه. على عبد الرازق إعترض فى بداية الجلسه بإن المحاكمه دى مش قانونيه إكمن القضيه مش من اختصاصات الهيئه ، لكن المشايخ أصروا على محاكمته. فى الأخر، بعد مداولات و كلام و خروج و دخول اصدرت الهيئه الحكم ده :

' حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر، بإجماع اربعة وعشرين معنا من هيئة كبار العلماء، بإخراج الشيخ على عبد الرازق، احد علماء الأزهر والقاضى الشرعى بمحكمة المنصوره الشرعية، مؤلف كتاب (الإسلام و اصول الحكم) من زمرة العلماء'

الحكم ده ما كانش بس حكم بالطرد من زمرة العلماء لكن كان معناه تقريباً فقدان حق المواطنه حيث ان مستند الحكم اتضمن كمان :

' ويترتب على الحكم المذكور محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر، والمعاهد الآخرى، وطرده من كل وظيفه، وقطع مرتباته فى أى جهة كانت، وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية '


بعد ماصدر الحكم على عبد الرازق قال إن الحكم باطل و مخالف للدستور حيث إن القانون اللى اتعملت على اساسه المحاكمه صادر من أيام الخديوى عباس حلمى التانى و ما إتطبقش قبل كده و أكد إن الحكم الظالم مش حايأثر على طريقة تفكيره و مش حا يمنعه من قول أرائه و نشرها بين الناس.

السرايا طوالى طلبت من وزير الحقانيه عبد العزيز فهمى تنفيذ حكم المشايخ و فصل على عبد الرازق من وظيفته فحول الوزير الطلب للجنه فى الوزاره لدراسته فإتغاظ منه الملك فؤاد و صدر قرار بفصله هو نفسه من الوزاره فإتفصل و استقال توفيق دوس باشا و محمد على علوبه باشا و اسماعيل صدقى باشا كإحتجاج على فصل عبد العزيز فهمى. بعد تعيين وزير الحقانيه الجديد اتطرد على عبد الرازق من وظيفته زى ماعاز الملك.

النتايج

الصراع اللى فجر كتاب " الاسلام وأصول الحكم " كان ليه اثار سياسية و فكريه. الإئتلاف الوزارى اللى كان قايم مابين الاتحاديين و الأحرار الدستوريين اتصدع و رجع الاحرار الدستوريين لصفوف المعارضه مع الوفديين لحماية دستور 1923و حصل نوع من المصالحه بينهم. من ناحيه تانيه قضى الكتاب على حلم الملك فؤاد انه يبقى خليفه للمسلمين و وطيت الاصوات اللى كانت بتطالب بكده و اثبت على عبد الرازق فهمه لحركة التاريخ و مصداقيته فى اللى كتبه. و كان على اللى وقفوا ضده يا إما يسكتوا أو يصححوا مواقفهم و ده اللى عمله الازهر نفسه لما رجع لعلى عبد الرازق مؤهله العلمى و ضمه من تانى لزمرة علماء الأزهر فى عهد الملك فاروق. لكن المعركه و الإضطهاد اللى واجهه على عبد الرازق كان ليه اثر فكرى وحش عليه. على عبد الرازق كان عنده امكانيات فكريه كبيره كانت ممكن تخدم الحياه الفكريه و الثقافيه فى مصر لكن الإضطهاد اللى واجهه صابه بالإحباط و خلاه يتقوقع على نفسه و ما انتجش اعمال فكريه كبيره بعد كده غير شوية محاضرات القاها فى جامعة القاهره.

نظرية المؤامره

من أغرب الحاجات اللى اتوجهت لعلى عبد الرازق انه مش هو اللى كتب كتاب " الإسلام وأصول الحكم " لكن قوى اجنبيه ( نظرية المؤامره ). و ده بيعتبر اسخف اتهام و حاجه بتبين مدى اسفاف اللى قالوه و لجؤهم للضرب تحت الحزام بعد ماشافوا ان ماعندهمش قدرات فكريه و ثقافيه كافيه تمكنهم من مواجهة فكرة الكتاب بطريقه موضوعيه. على عبد الرازق ماجاش من فراغ و ألف كتاب و لا كان انسان ذاهل قبل ما يألف الكتاب. عيلة على عبد الرازق كانت معروفه بنشاطها الفكرى و ابوه كان حسن باشا عبد الرازق اللى كان عضو فى مجلس شورى القوانين و كان صديق للشيخ محمد عبده و كان انسان شجاع و بيقول اللى عايزه من غير مواربه و لا خوف من سلطه و من أقواله : " أمة يدعى القيامة فيها فاسدوها جديرة بالرثاء ". و اخوه كان المفكر الكبير مصطفى عبد الرازق اللى وصل لمنصب وزير و شيخ للازهر. بيت " ولاد عبد الرازق " فى حى عابدين فى القاهره كان صالون ثقافى بيتقابل فيه مثقفين مصر من مختلف الفئات و الاديان و الجنسيات و كان صحابه مفكرين و مثقفين على مستوى عالى زى محمد حسين هيكل و طه حسين و أحمد لطفى السيد و غيرهم . فوق كده على عبد الرازق زى اخوه مصطفى اتلقى تعليم فوق مستوى الغالبيه العظمى من المصريين فى عصره بما فيهم اصحاب " نظرية المؤامره ". درس دراسه دينيه فى الأزهر و فى نفس الوقت كان بيدرس دراسه سيكولاريه فى جامعة القاهره و بعد ما خلص دراسته طوالى سافر انجلترا و درس فى اعرق جامعاتها و هى جامعة اوكسفورد. بالتالى بقدراته التعليميه و الثقافيه ما كانش غريب انه يألف كتاب زى ده و لا كان محتاج إن حد يكتبهوله.

بعد الاضطهاد اللى اتعرض ليه على عبد الرازق عاش منعزل و اتصاب بإحباط منعه من تخريج افكاره اللى كانت ممكن تفيد مصر. فى عهد الملك فاروق بعد ما اتبدلت الظروف السياسيه فى مصر صحح الازهر الغلطه اللى عملها و رجع لعلى عبد الرازق مؤهله العلمى و رجعه لزمرة علماء الأزهر ، و اختير عضو فى مجلس النواب و فى مجلس الشيوخ و اتعين وزير للأوقاف و اكتفى بإلقاء شوية محاضرات فى الجامعه لغاية وفاته فى 23 سبتمبر 1967.

من اقوله فى كتاب " الاسلام و أصول الحكم " :

لكن قبسا من نور الحقيقة لايزال ينبعث من بين ظلمات التاريخ، و سيتجه العلماء يوما نحو ذلك القبس، وعسى أن يجدوا على تلك النار هدى.

لينكات خارجيه

مصادر

  • على عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم - بحث فى الخلافة والحكومة فى الإسلام، مطبعة مصر، القاهرة 1925.
  • على عبد الرازق، من آثار مصطفى عبد الرازق، دار المعارف، القاهرة 1957.
  • محمد عمارة (د) الاسلام وأصول الحكم لعلى عبد الرازق - دراسة ووثائق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2000.
  • Encyclopædia Britannica, Macropædia,H.H. Berton Publisher,1973-1974