الفتنه الدينيه فى مصر (1321)

من ويكيبيديا، الموسوعه الحره
روح على: استكشاف، تدوير

الفتنة الدينيه فى مصر سنة 1321 هى احداث طائفيه بين المسلمين و المسيحيين حصلت فى مصر سنة 1321 فى عصر توليرانسى مزدهر اقتصادياً و ثقافياً هو عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون. بطريرك الأقباط الارتودوكس " اليعاقبه " وقتها كان " يوأنس التاسع " (يوحنا التاسع). الأحداث الطائفيه فى مصر حاجه قديمه و مش ظاهره حديثه. أول اسبابها التعصب الدينى مش مؤامرات خارجيه. الأحداث بدإت بهجمات على كنايس المسيحيين عن طريق متعصبين مسلمين فرد عليها متعصبين مسيحيين بحرق مبانى سماهم البطريرك " سفهاء زى سفهائكم ". الوقايع اتطورت و كانت حاتسبب فى تدمير القاهره و انتهت بمعاقبة ناس من الطرفين لكن السلطه المدنيه الحاكمه رغم انها كانت سلطه مستنيره فى فترة رخاء اقتصادى و بتعامل المسلمين و المسيحيين كرعايا نخت فى الاخر قدام ضغوط المتعصبين و جت على الطرف الأضعف عشان تحمى نفسها و تقضى على الفتنه. الفتنه كانت فى الواقع نتيجه لصراع قام ما بين الدوله المدنيه الحاكمه و طبقة المعممين المتشددين اللى حسوا بإنهم بتضيع منهم الامتيازات اللى كانوا بيتمتعوا بيها فى نظام براطيل فاسد قبل الملك الناصر ما يبدأ حربه ضد الفساد و يغير النظام الادارى و القوانين المجحفه و مكوس النهب فى مصر. بطبيعة الحال لازم يتاخد فى الاعتبار ان أحداث الفتنه دى حصلت فى العصور الوسطى من حوالى سبع قرون.

الحروب الصليبيه

الصليبيين بيهاجموا مصر سنة 1218.

فى سنة 1095 دشن اوربان التانى بابا المسيحيين الكاتوليك اللاتين الحروب الصليبيه ضد المسلمين فى الشرق فقامت الحمله العسكريه اللى اتعرفت بإسم الحمله الصليبيه الاولى (1096) و استولى الصليبيين على القدس (1099) و مدن تانيه فى اسيا الصغرى و الشام و اسسوا مملكة بيت المقدس ، و استمر الصراع الكاتوليكى الاسلامى داير سنه بعد سنه و قدر صلاح الدين الايوبى انه يطرد الصليبيين من القدس (1187) فرد الكاتوليك بحملات عسكريه ضخمه اتجمعت فيها جيوش اوروبا ضد المسلمين ، و كان نصيب مصر من الحملات دى حملتين كبار هاجموها بطريقه مباشره ، الاولى كانت الحمله الصليبيه الخامسه (1218) و التانيه كانت الحمله الصليبيه السابعه (1249-50) اللى قادها بنفسه لويس التاسع ملك فرنسا بمباركة و تأييد الكنيسه الكاتوليكيه.

طوايف المسيحيين

الكنيسه المعلقه كانت مقر بطريرك اليعاقبه.

فى الوقت ده كان فى مصر طايفتين من المسيحيين ، طايفه بتتسمى " اليعاقبه " و التانيه اسمها " الملكانيه ". اليعاقبه كانوا المصريين المسيحيين من أصول مصريه و كانوا تابعين لكنيسة اسكندريه المصريه الارتودوكسيه المونوفيزيه و ليهم بطريرك خاص بيهم و كانت معظم اديرة و كنايس مصر تابعه ليهم و اشهر كنايسهم كانت الكنيسه المعلقه ( قصر الشمع / حصن بابليون ) اللى كانت مقر بطريركهم و مجمع رهبانهم و علمائهم اللاهوتيين. المسيحيين الملكانيين ( الروم الارتودوكس )من جهه تانيه كانوا عادة من أصول مش مصريه و زى تسميتهم ما بتقول كانوا تابعين لملك بيزنطه و كنيسته البيزنطيه. الملكانيين كان ليهم البطريرك الخاص بيهم مقيم فى القاهره و كنايسهم و اديرتهم كانت اقل بكتير من كنايس و اديرة اليعاقبه و اهم كنايسهم كانت القلايه و دى كانت مجمع رهبانهم اللى جم مصر من بلاد الروم ( بيزنطه). الصراع ما بين الطايفتين دول بدأ بعد النزاع المذهبى اللى حصل فى مجمع خلقدونيا سنة 451 فى عهد الامبراطور البيزنطى مركيانوس ما بين الكنيسه المصريه من جهه و الكنيستين البيزنطيه و الكاتوليكيه على طبيعة المسيح و انتهى النزاع بإتهام المصريين بالهرطقه و حصل انفصال و بدأ عصر اضطهاد لمسيحيين مصر استمر لغاية ما دخل العرب مصر و طردوا البيزنطيين و حلوا محلهم و فرضوا الجزيه على المصريين اللى كانوا بيسموهم أقباط. المسيحيين اللى اعتنقوا الاسلام اتعفوا من الجزيه و بقى اسم " اقباط " بيتقال بس عن المصريين المسيحيين. العصر الاموى شاف اكبر اضطهاد للمسيحيين المصريين و زادت فيه الجزيه و المكوس بشكل كبير. فى العصور دى المصريين مسيحيين و مسلمين عادة ما كانوش بيتعينوا فى الدوله.

حال المسيحيين فى العصر المملوكى

قعاد ست (شجر الدر) على عرش مصر كان من اهم احداث 1250.

فى سنة 1250 إتأسست الدوله المملوكيه فى مصر على انقاض الدوله الايوبيه ، و اهم حدثين حصلوا فى بداية العصر المملوكى هو قعاد واحده ست على عرش مصر بعد ماقادت مصر لنصر كبير هى شجر الدر ، و الحدث التانى تعيين أول مصرى قبطى وزير لحاكم مصر هو " شرف الدين ابو سعيد هبة الله صاعد الفائزى " اللى اتعين وزير للسلطان عز الدين أيبك [1]. فى عصر الدوله المملوكيه ( 1250 -1517 ) مصر بقت دوله مستقله و كل المواطنين المصريين بغض النظر عن دياناتهم مسلمين أو مسيحيين أو يهود بقوا رعايا للدوله ، المسيحيين كانوا اقليه دينيه لكن ما بقوش اقليه اجتماعيه ، و ما بقتش فيه حاجه اسمها جزيه بتتنهب من طايفه بسبب دينها لملى خزنة خليفه عايش فى بلد تانيه ، و بقى للكل حق امتلاك الاراضى و العقارات زيهم زى بعض و بقى فيه مسيحيين و يهود اغنيا جداً و عندهم جوارى و عبيد ، و بتبين اوراق الوثايق اليهوديه المعروفه بإسم " الجنيزا " ان المصريين المسلمين و المسيحيين شاركوا فى كتابتها. اشتغل المسيحيين فى دواوين الدوله و وصلوا لمراكز كبيره و شاركوا فى الحياه الثقافيه و خرج منهم المؤرخ المكين كاتب ديوان الجيش المصرى ابن العميد و عيلة الكتاب و المثقفين " ولاد العسال ".

الحروب الصليبيه ما أثرتش على حالة التعايش ما بين المسلمين و المسيحيين و ما حصلش فى اى وقت ان حد من مسيحيين مصر رغم طول فترة الحروب الصليبيه انضم لصف الصليبيين الاوروبيين ضد مسلمين مصر أو خان مصريته لدوافع دينيه. فوق كده المصريين المسلمين و المسيحيين كانوا بيشاركوا بعض فى الاحتفلات الدينيه و كان المسلمين بيشاركوا فى عيد الغطاس و كانوا بيزينوا الشوارع و الدكاكين بالفوانيس وقت احتفال المسيحيين بعيد الميلاد و السنه القبطيه الجديده ( عيد النيروز ). لكن ده ما يمنعش ان كانت بتحصل من وقت للتانى خناقات بتاخد شكل طائفى بين المسلمين و المسيحيين و بالذات المسيحيين الملكانيين اتباع الكنيسه البيزنطيه اللى عادة ماكانوش من اصول مصريه. لكن الخناقات دى كانت بتنفض بسرعه من غير ماتحصل مشاكل كبيره.

تحولات اقتصاديه و اجتماعيه

فترة حكم الناصر محمد بن قلاوون التالته كانت فتره مستقره مافيهاش حروب لا مع الصليبيين و لا مع المغول و مصر كانت مزدهره اقتصادياً و ثقافياً و ليها وزن دولى معتبر. و فوق كده الفتره دى كانت فتره تيلورانسيه ازدهر فيها الفن و الثقافه و حركة التعمير و البنا على مستوى فرعونى.

مراكز القوى فى مصر قبل ما يمسك الملك الناصر الحكم فى الفتره التالته كانت متقسمه ما بين طبقة المماليك الارستقراطيه و طبقة القضاه و رجال الدين المسلمين اللى كانوا بيتسموا " المعممين ". موظفين الدواوين و اصحاب المراكز الحكوميه العاليه كانوا بوجه عام بينتموا للطبقتين دول. الناصر محمد بن قلاوون اللى كان سلطان متفتح و بيكره الفساد حاول انه يغير الوضع ده فلغى قوانين قديمه و عمل قوانين جديده ، و لغى ضرايب و مكوس فرضها النهيبه ، و حارب الفساد فى الدوله ، و طرد الموظفين المرتشين و عين اقباط و مسلمين ما بينتموش لدواير المعممين المتطرفين. الأقباط بوجه عام ما بقوش اقليه اجتماعيه. ده بطبيعة الحال سبب حاله من الاستياء و العدوانيه فى صفوف اللى كانوا مستفدين من الأوضاع القديمه الفاسده.

التحولات الإجتماعيه اللى حصلت فى عهد الناصر محمد بن قلاوون اتلاحظت عن طريق الاجانب اللى زاروا القاهره فى الفتره دى ، و بتبينها قصة الوزير المغربى اللى زار القاهره و هو رايح الحج سنة 1301 وقت فترة حكم الملك الناصر التانيه (1299-1309) و شاف ان مسيحيين مصر عايشين فى ترف و بيركبوا حصنه متزينه فعز عليه الموضوع و راح للأمير بيبرس الجاشنكير و قعد يعيط و يعدد و يردد كلام دينى و يقولوه ان ده ما يصحش لغاية ما خلاه يطلع قرار يمنع المسيحيين من ركوب الحصنه فى الشوارع ، ركوب الحصنه اياميها كان متحرج على عامة المسلمين و المسيحيين اكمنها كانت من ادوات الحرب ، و انتهز المتعصبين الفرصه و طلعوا فتاوى تحريضيه ضد الأقباط و كانت حاتقوم فتنه طائفيه و لدرجة ان ملك نيقيا البيزنطى اتدخل فى الموضوع عشان يهدى النار اللى ولعها فى مصر الراجل المغربى [2].

على خلفية التطورات الاجتماعيه و الاقتصاديه المهمه ، و مع الأخد فى الإعتبار كمان التأثيرات الخارجيه اللى كانت بتدخل مصر ، قامت الأحداث الطائفيه الكبيره اللى حصلت فى مصر ما بين المسلمين و المسيحيين سنة 1321. الفتنه دى ابتدت بطريقه غريبه و قدر المتعصبين الدينيين انهم يحرضوا و يحركوا المسلمين و المسيحيين.

الناصر محمد و المتعصب الدينى

فى يناير 1314 وقت احتفالات المسيحيين احتاج المسيحيين فى الكنيسه المعلقه قناديل فسلفهم المسلمين قناديل من جامع عمرو بن العاص فعلقوها فى الكنيسه المعلقه لكن ده مارضيش راجل متعصب من المعممين اسمه الشيخ نور الدين على بن عبد الوارث البكرى فإتخانق مع المسلمين اللى سلفوا قناديل الجامع للمسيحيين و لم ناس من جماعته و راح بيهم على الكنيسه المعلقه و اتخانق مع المسيحيين و نزل القناديل ، و راح على قلعة الجبل و نزل شتيمه فى الدوله و طلب مقابلة السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، فجاب الناصر القضاه و الفقها و دخله عشان يشرح قضيته فقعد البكرى ده يعيد و يزيد فى كلام دينى متعصب و يشتم فى المسيحيين و يلبخ فى الكلام زى عادة المتعصبين و راح قايل للسلطان : " أفضل المعروف كلمة حق عند سلطان جائر، و أنت وليت القبط المسالمة، و حكمتهم فى دولتك وفى المسلمين، وأضعت أموال المسلمين فى العمائر والإطلاقات التى لا تجوز " ( يعنى مش عاجبه مساواة المواطنين المصريين و حركة التعمير و التطوير الإقتصادى اللى كان بيعملها الملك الناصر و بيعتبرها بذخ و حرام و انه بكده فى مفهومه سلطان ظالم ). فإستغرب الملك الناصر من الكلام ده و قاله " حيلك ، أنا جاير ؟ " فإتبجح الراجل المتعصب و رد : " نعم! أنت سلطت الأقباط على المسلمين، وقويت دينهم ". الملك الناصر اتغاظ من كلام الراجل المتعصب و مابقاش عارف يعمل فيه ايه و حاشه عنه الأمير " طغاى " فبص الناصر لقاضى القضاه و قاله : " كده يا قاضى بيتجرأ على ؟ ايه المفروض اعمله فيه ؟ قل لى " ، فرد قاضى تانى اسمه " ابن جماعه " على السلطان و قال : " قد تجرأ ولم تبق إلا مراحم مولانا ". حس الناصر بإهانه كبيره من الراجل المتعصب و اتدخل الامرا عشان يحوشوه عنه و اتشفعوله عشان يسيبه فسابه لكن امره انه يمشى من مصر و مايوريهوش خلقته تانى [3].

استمر الناصر محمد بن قلاوون فى حركة تطوير مصر و تعميرها و بنا اقتصادها و حارب الفساد الادارى و غير القوانين و منع ضرايب جايره كانت معموله لنهب الناس و قضى على طبقات الامرا و الموظفين المرتشين ، و اشتغل المصريين مسلمين و مسيحيين فى دواوين الدوله و اترقى الاقباط لمراكز عاليه رغم ضغوط المتعصبين من طبقة " المعممين " اللى شافوا ان الوظايف الكبيره بتطير منهم لصالح اداريين اقباط و مسلمين مش من دوايرهم ، و عاشت مصر ازهى عصورها و بقت كل بلاد الدنيا وقتها بتتقرب منها و بتخطب ودها. و استمر المصريين المسلمين و المسيحيين متعايشين لغاية سنة 1321 لما هبت على مصر ريح التطرف و التعصب الدينى بطريقه غريبه و كانت حا تتسبب فى تدمير القاهره نفسها.

بداية الفتنه

من الشخصيات اللى عاشت فى عصر الناصر محمد بن قلاوون كان أحمد ابن تيميه اللى كان بيصدر فتاوى فى دمشق فطلب منه السلطان الناصر انه ييجى مصر عشان يشرح فتوى من فتاويه و انتهى امره بإنه إتقبض عليه و اتسجن لمدة سنه فى اسكندريه و اترحل من مصر على دمشق بعدها. و اتقبض عليه هناك و اتسجن فى قلعة دمشق. فى فبراير 1321 وصلت مصر أخبار بإن الناس فى دمشق هاجمت كنيسه لليهود و هدتها و فى مايو 1321 هبت رياح التعصب على مصر. فجأءه هجم ناس على خمس كنايس اتنين فى الزهرى و واحده فى بستان السكرى اسمها الكنيسه الحمرا و كنيستين فى مدينة مصر.

بدأت الأحداث بإن فى يوم 8 مايو وقت صلاة الجمعه و الناس و الامرا و رجال الدوله فى الجوامع بيصلوا اتلمت طايفه من المتعصبين و هجموا على كنيسة الزهرى و هدوها و نهبوا اللى كان فيها و من هناك راحوا على الكنيسه الحمرا اللى كانت جنبيها و نهبوها و من هناك راحوا على كنيسة " بومنا " ونهبوها هى كمان و قتلوا ناس كانوا فيها و خطفوا البنات. لما خلصت صلا الجمعه و طلع المصليين المسلمين من الجوامع لقوا نار مولعه و دخان طالع فى السما و ناس خاطفين بنات و ناهبين نهايب فإتخضوا من المنظر. اصوات الناس و صريخهم وصل للقلعه وسمعها الملك الناصر فطلب من الأمير " أيدغمش " انه ينزل يشوف ايه اللى بيجرى فى البلد. لما عرف السلطان باللى حصل انزعج جداً و نزل الأمرا و خرجت العساكر عشان يقضوا على الهوجه اللى حاصله و فى الظروف دى وصلت اخبار بإن المتعصبين هاجموا كنيسه فى حارة الروم و كنيسه تانيه فى حارة زويله و ان فيه خطر ان القاهره حا تتنهب ، و وصل القلعه مندوب من عند والى القاهره بلغ السلطان بإن فيه ناس متجمعه عند الكنيسه المعلقه اللى ساكن فيها البطريرك نفسه و عايزين يهدوها و انه طالب نجده سريعه ، فإتخض الملك الناصر و غضب جداً و كان عايز ينزل الشارع بنفسه لكن بعت الامرا على نواحى القاهره و مدينة مصر للتصدى للمهاجمين بكل قوه و وقفت القاهره على رجل.

هجم العساكر على النهابه اللى كان من ضمنهم ناس شاربين خمره منهوبه و سكرانين لكن ما قدروش عليهم و والى مدينة مصر اتزنق هو و عساكره جنب الكنيسه المعلقه و الناس نزلت فيهم ضرب و لما الأمير ايدغمش وصل بعساكره لقى الغوغاء على وشك انهم يحرقوا باب الكنيسه عشان يقتحموها فجهز نفسه للاشتباك بيهم لكن كش لما شاف ان عددهم كبير جداً و انه لو هجم عليهم حا تحصل مدبحه فنادى عليهم بإن كل اللى حا يفضل فى المكان حا يتحل دمه فخافوا و ابتدوا يتفرقوا و وقف الامير بالعسكر على بوابة الكنيسه عشان يحميها و عين عساكر عشان يباتوا مع الوالى على بوابتها عشان يحرسوها بالليل و رجع القلعه.

هد الكنايس

الموضوع ما خلصش على كده و اتطور بطريقه غريبه. ففى يوم الجمعه التانى بعد ما خلصت الصلا فى جامع القلعه راجل زى معتوه قعد يصرخ فى وسط الجامع : " اهدموا الكنيسه التى فى القلعة ". و لما خرج الامرا من الجامع لقوا ناس عاملين ضجه و شايلين صلبان و هدوم و غيرها و بيقولوا " السلطان أمر بتخريب الكنايس " و اتضح انهم هجموا على كنايس و هما فاكرين ان الملك الناصر أمر بكده ، و طبعاً دى كانت مؤامره متدبره عن طريق اللى اشعلوا الأحداث.

يوم الحد وصلت الاخبار من اسكندريه بإن وقت صلاة الجمعه اتجمعت ناس و صرخوا بإن الكنايس بتتهدم فخرج بسرعه الامير بدر الدين المحسنى محافظ اسكندريه بالعساكر عشان ينقذ الكنايس لكن على ما وصل كانت اربع كنايس اتهدت ، و بعد اخبار اسكندريه وصل خبر من البحيره بإن ناس هدوا كنيستين فى دمنهور وقت صلاة الجمعه ، وبعدين وصلت اخبار من قوص بإن ناس هدوا ست كنايس فى ظرف نص ساعه برضه وقت صلاة الجمعه و فضلت اخبار توصل ورا بعض من الصعيد و الوجه البحرى و حتى من اسوان بإن كنايس اتهدت وقت صلاة الجمعه فالناس بقت مستغربه ازاى ممكن يكون ده حصل فى نواحى مصر فى وقت واحد. زعل الملك الناصر من اللى بيحصل فى مصر و جاتله حالة سخط على الناس لكن الامرا قعدوا يهدوا فيه و يقولوله : " يا مولانا ، ده فعل ربنا ، لإن مين من الناس يقدر يهد كنايس فى اسكندريه و دمياط و القاهره و مصر و الصعيد فى نفس الوقت ؟ ". بطبيعة الحال الهجمات دى كانت متدبره و متوضبه و مش زى ما حاولوا يقنعوا السلطان.

حرايق القاهره

عدد الكنايس اللى اتهدت كان ستين كنيسه فى نواحى مصر ، و بعد الكنايس دى ما اتهدت حصلت حرايق كبيره فى القاهره و مدينة مصر بدأوا يوم السبت 13 يونيه 1321 فى مبانى تابعه للمارستان المنصورى و بعدين قامت حريقه فى حارة الديلم و امتدت النار على الليل لأماكن تانيه كتيره و بعتوا للسلطان يقولوله بخبر الحرايق فبعت امرا و عساكر عشان يطفوها ، و خرج الناس من بيوتهم و باتوا فى الشوارع ، و بقت القاهره كلها مهدده بالحرق. فى ليلة يوم التلات زادت الحرايق و بقى مش سهل السيطره عليها ، و فوق كده هبت ريح جامده نشرت النار و قلبت المراكب فى النيل فافتكرت الناس انه يوم القيامه ، و طلع الملك الناصر فوق سطح قصره فى قلعة الجبل عشان يشوف الحرايق و اتخض من منظر النار اللى طالعه و الدخان اللى كان مغطى سما القاهره.

الناس صبحت يوم التلات فى حاله وحشه و نزل نايب السلطان و الامرا و خرج معاهم سكان القاهره عشان يحاولوا يطفوا الحرايق و نقلوا من المدارس و الحمامات و الأبيار مايه على الجمال لأماكن الحرايق. و جابوا كل البنايين و النجارين عشان يهدوا البيوت و المبانى المولعه عشان ما تتنقلش النار للمبانى اللى جنبها. الكل شارك فى محاولة تطقية الحرايق و حتى الأمرا الكبار لغاية ماقدروا يسيطروا على النار. لكن تانى يوم قامت حرايق تانيه بره باب زويله و فى حته كان اسمها قيسارية الفقرا ، و اكمن كان فيه ريح انتشرت النار ، فراح الوالى و معاه العساكر و الناس على هناك و طفوها و هدوا المبانى المولعه ، لكن بعد ما طفوها قامت حريقه تانيه فى بيت الأمير سلار فى منطقة القصرين فجريوا على هناك لكن و هما بيطفوا النار لقوا فتايل مغموصه بالقطران و دى كانت اول اشاره ان الحرايق بتتعمل بفعل فاعل. صدرت اوامر بإن كل دكان فى القاهره يحط جنبه زير مليان مايه و كمان فى الحوارى و الزقايق و حط الناس ازيرة مايه على اسطحة بيوتهم.

القبض على متهمين و اطلاع البطريرك

يوم الخميس قامت حرايق فى حارة الروم و بره القاهره و فضلت تقوم حرايق فى نواحى القاهره و مدينة مصر و وصلت الحرايق للجوامع و المدارس و قامت حريقه فى المدرسه المنصوريه و ظهرت اشاعات بإن المسيحيين ورا الموضوع و هما اللى بيولعوا الحرايق كإنتقام لهد كنايسهم خصوصاً بعد ما اتلقت خرق فيها زيت و قطران. يوم الجمعه اتمسك اتنين رهبان كانوا طالعين من المدرسه الكهاريه بعد ما رموا فيها خرق فيها كبريت و زيت. اتقبض على الراهبين و ودوهم للملك الناصر فأمر بالتحقيق معاهم. بعد شويه اتقبض على مسيحى تالت كان فى جامع الظاهر فى الحسينيه و حط خرق فيها زيت و قطران جنب منبر الجامع و بعد التحقيق معاه اعترف بإن فيه جماعه من المسيحيين بيعملوا خرق القطران و بيوزعوها على الناس. الراهبين اعترفوا انهم من دير البغل اللى كان فوق جبل المقطم و انهم هما اللى عملوا الحرايق عشان ينتقموا لهد الكنايس و انهم كانوا بيعملوا الفتايل و يحطوها فى القطران و يرموها بالسهام على المبانى و انهم كانوا بيوزعوا الفتايل على اتباعهم عشان يخرجوا بالليل و الناس نايمه و يرموها على المبانى. الأمير علم الدين قال للملك الناصر عن نتايج التحقيقات و قرر الامير كريم الدين الكبير ناظر الخاص استدعاء البطريرك يوأنس التاسع عشان يطلعه على الموضوع و جه البطريرك بالليل و استقبله الامير استقبال كويس و أكرمه و حكى له على اللى حصل فزعل البطريرك جداً و قال : " دول سفهاء عملوا اللى عملوه سفهاءكم ، و خلينا نشوف رأى السلطان ايه ".

كريم الدين كان من رجالة الملك الناصر الجداد اللى عينهم مكان المفسدين و المرتشين اللى اتطردوا من الدواوين و كان اول واحد يتعين فى منصب ناظر الخاص ( وكيل سلطان مصر ) اللى عمله الملك الناصر فى حركة تنضيف و تطوير الاداره فى مصر و كان مصرى من أصل قبطى ، و عشان كده كان ليه اعداء كتار ما بين المعممين المتشددين.

تانى يوم راح كريم الدين على السلطان ، و هو فى السكه طلع عليه متعصبين مسلمين و قعدوا يصرخوا فيه : " مش من حقك تحامى النصارى يا قاضى بعد ما خربوا بيوت المسلمين " فرد عليهم كريم الدين بإن المسيحيين اللى اتمسكوا مجرد سفهاء. بعد ما قال كريم الدين للسلطان باللى حصل و رأى البطريرك طلب الملك الناصر من الوالى معاقبة المتورطين ، فقبض على اربعتاشر راهب من دير البغل ، اتعدم منهم اربعه يوم الجمعه.

يوم السبت نزل الملك الناصر من القلعه و راح على الميدان اللى احتشدت فيه اعداد كبيره من الناس و لما وصل كريم الدين المتعصبين شتموه و قالوا له " انت بتحامى النصارى ؟ " و رموا عليه طوب فزعل الملك الناصر و استشار الامرا يعملوا ايه فى الناس المتجمهرين فى الميدان فإقترح الأمير أقوش نايب الكرك انه يرضيهم بعزل الموظفين المسيحيين من ديوان الدوله لكن الملك الناصر ما وافقش على الكلام ده و طلب من ألماس الحاجب مهاجمة المحتشدين بالعسكر لغاية ما يطلعهم من باب زويله و باب النصر و أمر والى القاهره بإنه يروح على باب اللوق و باب البحر و يقبض على المتجمهرين هناك. لما المحتشدين حسوا باللى حا يحصل جريوا و هربوا و قامت هوجه و اتقفلت اسواق القاهره و قبض الوالى على حوالى متين مسلم عند بولاق و ابواب اللوق و البحر و وداهم للسلطان فى القلعه فأمر بإعدامهم فقعدوا يعيطوا و يقولوا " يا خوند ما يحللكش ده فماحناش أعداء " فساب الناصر معظمهم لكن أمر بإعدام عدد منهم فإتعدموا يوم الحد.

كريم الدين اللى المتعصبين اتهموه بإنه بيحامى المسيحيين بقى خايف على نفسه و بيتحاشى انه يمشى فى سكته المعتاده ، و راح للسلطان فى القلعه من سكه تانيه و اترجاه انه يعفى على المقبوض عليهم فوافق السلطان. و فى الغضون دى قامت حريقه جنب جامع احمد بن طولون و فى القلعه نفسها و اتحرق فندق طرنطاى اللى كان بينزل فيه تجار الشام و اماكن تانيه فإندهش السلطان و اتقبض على تلت مسيحيين معاهم فتايل قطران و اعترفوا انهم هما اللى ولعوا فى المبانى.

نهاية الفتنه

يوم السبت نزل الملك الناصر ميدان القلعه فلقى اعداد كبيره من الناس محتشدين و رافعين رايات و بيهتفوا ضد المسيحيين و بيطالبوه بإتخاذ موقف فخاف الملك الناصر من توسع الفتنه و تحولها لتمرد ضده فنخ و اضطر يغير طريقة تعامله مع الاحداث ، فوافق على تطليع قرار بقفل الكنايس و توقيف الموظفين المسيحيين اللى بيخدموا فى الدوله عشان يرضى المتعصبين و يحمى نفسه ، وبكده هديت الاحوال و خلصت الفتنه. لكن فى يناير 1323 اعتدى راجل مسلم على موظف مسيحى عند باب القلعه فغضب الملك الناصر و أمر بإعدام المسلم. وافق الملك الناصر على اعادة بنا الكنايس اللى اتهدت و شويه شويه رجع الموظفين المسيحيين للدواوين لكن فضلت شوية كنايس مقفوله لغاية ما بدأت وفود من اوروبا و الحبشه تزور القاهره و تسترجى الملك الناصر بإنه يسمح بفتح الكنايس المقفوله. من اهم الوفود اللى وصلت مصر كان وفد من بابا الكاتوليك فى روما. ده كان اول وفد من بابا الكاتوليك يوصل مصر من ايام الملك الصالح ايوب قبل هجوم الحمله الصليبيه السابعه على مصر سنة 1249. الوفد الكاتوليكى سلم هدايا و جواب للملك الناصر وصاه فيه البابا بالمسيحيين فى مصر. الملك الناصر استقبل الوفد إستقبال كويس و رد على البابا. اتفتحت الكنايس و اتصلحت الكنايس اللى اتخربت و رجع الموظفين المسيحيين لأشغالهم فى دواوين الدوله زى ما كانوا ، فى 1323 الملك الناصر عين " شرف الدين النشو " فى منصب ناظر الخاص. النشو كان مصرى قبطى. خلصت فتنة 1321 اللى بتعتبر من أخطر الفتن الدينيه اللى حصلت فى تاريخ مصر لكن التعصب الدينى ما انتهاش و فضل يطل على المصريين من وقت للتانى.

فهرست وملحوظات

  1. المقريزى، المواعظ، 386/ ج3
  2. المقريزى، السلوك، 337-339/ج2
  3. المقريزى، السلوك، 495-496/ ج2

المراجع