يتيمه

الحملة المصريه على بلاد الحبشه

من ويكيبيديا، الموسوعه الحره
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Wiki letter w.svg الصفحه دى يتيمه, حاول تضيفلها لينك فى صفحات تانيه متعلقه بيها.

بيتعجب الكثير من المتابعين للمشهد السياسي الحالي من سوء العلاقات بين مصر وإثيوبيا، ودا لأنه البلدين دول مافيش اي علاقات بينهم لا ثقافية ولا دينية ولا تاريخ مشترك، فالكل بيرجع سوء العلاقات للصراع على مياة النيل لكن في الواقع ان الصراع له جذور تاريخية قديمة.. تعالوا ترجع شوية بالتاريخ للوراء ونشوف ايه اللي حصل بين حكومة مصر في عهد الخديوي اسماعيل وبين حكومة الحبشة في عهد الأمبراطور يوحناس الرابع.

تيودور الثاني ملك الحبشة يوحنا الرابع امبراطور الحبشة اسماعيل باشا خديوي مصر كان محمد علي باشا والي مصر، زي ماعرفنا قبل كدا، له رغبات توسعية في حكم مصر والبلاد المجاورة، وعلشان كدا أسس جيش نظامي حديث على احدث الطرز العسكرية المعروفة في الوقت دا، واستجاب لرغبات السلطان العثماني في انه يرسل حملات عسكرية لأخضاع اقاليم زي الحجاز (من هنا) واليونان (من هنا) وغيرها، ولما توغل بالجيش في مناطق السودان كان له رغبة في اخضاع اقليم الحبشة للسيطرة على منابع النيل، لكن ماكانش عنده الفرصة الكافية. وفي عهد حفيده الخديوي اسماعيل امتد النفوذ المصري للسيطرة على مواني البحر الأحمر مصوع وسواكن ودا كان بموافقة اوروبية (انجلترا وفرنسا) وكمان بموافقة الباب العالي بعد ما دفع الخديوي اسماعيل رشاوي وهدايا كتير للحصول على الموافقات دي (للمزيد طالع هنا).

الأسرة العلوية

في عام 1863 استجاب الخديوي اسماعيل لإغراءات جنرال فرنسي اسمه بيسون في اخضاع اقليم الحبشة واقامة منطقة كبيرة لزراعة القطن تحميها مصر، وفي العام التالي ارسل حملة عسكرية محدودة استطاع من خلالها الجنرال بيسون اقامة مراكز ارسالية تبشيرية كاثوليكية في مناطق عديدة شرق السودان وداخل الحبشة (ودا كان غرضه الحقيقي)، ودا لفت نظر انجلترا اللي ارسلت للخديوي اسماعيل تعلن عدم رضاها على غزو الحبشة فتوقفت الحملة لكن بعد ما أقلقت السلطات الحبشية بقيادة ملكها تيودوروس الثاني اللي ارسل للخديوي يعلن استنكاره من نشاط مصر التوسعي ويطالبه بالجلاء عن اقليم “سنهيت” باعتباره ارض حبشيه احتلتها مصر!.. وعنها وقبض تيودوروس الثاني على قساوسة الأرساليات الأجنبية داخل بلاده (بروتستانت وكاثوليك) وكمان اعتقل القنصل الأنجليزي في الحبشة وسجنهم، فاعترضت انجلترا وطالبت ملك الحبشة بالإفراج عن رعاياها لكنه رفض رغم تكرار النداءات والمحاولات!.. فاضطرت انجلترا لتجريد حملة عسكرية سنة 1868م لتحرير رعاياها، وساعدها الخديوي اسماعيل عسكريا ولوجستيا وسمح لها باستخدام مواني واراضي السودان، وتوغل معها بالجيش المصري وسيطر على أراضي كتيرة في القرن الأفريقي (الصومال دلوقتي) وأعالي النيل في أوغندا، ودا زود من قلق الأحباش، وفي عام 1872 تولى حكم الحبشة يوحناس الرابع خلفا لتيودور وبدأ فاصل جديد في سوء العلاقات بين مصر والحبشة!..

بدأ يوحناس الرابع حملة رأي عام في أوروبا ضد مصر، بمساعدة أحد المغامرين الأنجليز (مرتزقة) واسمه جون كريكهام، وقال يوحناس ان سيطرة المصريين على مواني ساحل البحر الأحمر بيمنع بلاده من التقدم والأزدهار وبيخلى تمن السلع المستوردة غالية الثمن في بلاده، وفي الواقع هوا كان عايز موضع قدم على ساحل البحر عشان كان عايز يستورد سلاح يستخدمه ضد المتمردين عليه وضد القوات المصرية، فقام المغامر الأنجليزي بضم بعض المناطق التابعة للحكم المصري شرق السودان لصالح ملك الحبشة، وبدأ تحصيل الضرايب منها باسم الملك، فأرسل الخديوي اسماعيل انذار اخير لملك الحبشة يطالبه بالجلاء عن الأقليم اللي احتله جنود كريكهام وإلا سيضطر الى التدخل العسكري!..

واجتمع الخديوي اسماعيل مع مسيو ويرنر منزنجر، وكان قنصل فرنسا في مصوع وعينه الخديوي محافظ لمدينة مصوع ومنحه لقب “باشا”، واللي اقنع الخديوي اسماعيل بتجريد حملة عسكرية ضد الحبشة لتأديب يوحناس، وهوّن على الخديوي امر غزو بلاد الحبشة لعدم كفاءة قواتها بالمقارنة طبعا بالجيش المصري النظامي، وفعلا ارسل الخديوي حملة في ديسمبر 1874 مكونة من 1500 عسكري ومنح قيادتها لمنزنجر باشا نجحت اول الأمر في اعادة احتلال مدينة سنهيت، ورفعت عليها العلم المصري، وتقدمت داخل الأراضي الحبشية.. سمع الأحباش بتقدم القوات المصرية فنصب رجال قبيلة “الدناقل” الموالين لملك الحبشة “كمين” للقوات المصرية قرب مدينة العدوة داخل الأراضي الحبشية في نوفمبر 1875، وبالفعل سقطت فيه القوات المصريه البالغ عددها 2000 عسكري فأفنوهم عن أخرهم بما فيهم قائدهم منزنجر باشا وغنموا اسلحتهم وذخيرتهم بالكامل!.. ولم ينجو منهم، زي مابيقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، “إلا النذر اليسير”!!..

ومن ناحية تانية تقدم فيلق تاني من الجيش المصري مكون من 3200 عسكري بقيادة الكولونيل سورون أراندروب (نمساوي) لنجدة الفيلق الأول، واستطاع التوغل لمسافة كبيرة لغاية مدينة جونديت، ووصلت الأخبار ليوحناس ملك الحبشة اللي تقدم بأكثر من 30 ألف عسكري بقيادة ألولا شلاقة اللي انفصل بجزء كبير من الجيش الاثيوبي وقام بتطويق الجيش المصري قبل اقترابه من مدينة العدوة. ولما وصلت الأنباء للكولونيل أراندروب قائد الفيلق، فطلب من ملك الحبشة وقف القتال واعتبار نهر “الجاش” بمثابة حدود فاصلة بين ممتلكات الحبشة ومصر، وطبعا ماردش عليه ملك الحبشة بالكلام وقرر يرد بطريقة عملية!.. وتمت المعركة في 15 نوفمبر 1875 تحت جنح الليل بالقرب من قلعة أدي، هاجم ألولا مؤخرة الجيش المصري وتقدم يوحنا من الأمام فوقعت العساكر بين طرفي (كماشة) اثيوبية، الأمر اللي أدى في صباح اليوم التالي إلى مذبحة للقوات المصرية لم ينج منها سوى نحو 300 جندي انسحبوا إلى مصوع مع قليل من قياداتهم. مات الكولونيل أراندروب وكتير من قيادات الجيش، وغنم الأحباش في المعركة دي، واللي سموها معركة (جونديت)، حوالي 2200 بندقية و 16 مدفع لسة فيه 2 منهم في الساحة الكبرى لمدينة أكسوم اللي هيا تعتبر العاصـمة التـاريخية للحـبشـة و عرق الأمـهـرة. كمان اثيوبيا المعاصرة أطلقت اسـم جونديت على أعلى وسـام عسـكري تخليدا لذكرى المعركة.

ووصلت الأنباء للقاهرة فاتضايق الخديوي اسماعيل جدا، وراح الجامع الأزهر وطلب من المشايخ هناك تكثيف الدعاء للجيش المصري وطلب النصر، وقرر تجريد حملة جديدة لأستعادة الكرامة والرد على هزائم العدوة وجونديت، وتأديب يوحناس وألولا شلاقة. ولأنه كان ميّال لأستخدام القيادات الأجنبية في الجيش، فأسند قيادة الجيش للجنرال ويليام لورانج واللي كان من القادة الكونفدراليين المهزومين في الحرب الأهلية الأمريكية واللي كان بيدور على اي عمل عسكري في اي بلد بعد الهزيمة في بلاده، وطبعا كانت مصر فرصة كبيرة بالنسبة له، منحه الخديوي لقب باشا واسند له قيادة حملة من 15 ألف جندي، وارسل معاها ابنه حسن باشا قائد عسكري بعد رجوعه من ألمانيا اللي كان بيدرس فيها العلوم العسكرية، ونزل خبر الحملة في جريدة الوقائع المصرية بتاريخ ديسمبر 1875:

“عُلِمَ مما سبق أنّ أُمة الحبشة صدَرت منها أفعال وحشيَة وتجاوزوا حدّ الاخلال بالامنية فى الحدود المصرية، فأُجبِرَت الحكومة الجليلة الخديوية على إرسال فرقة عسكرية إلى الحدود الحبشية، وقد تعين فيها بمأمورية أركان الحرب حضرة دولتلو حسن باشا ثالث الأنجال السمية الخديوية المأذون فى الحضور الى هنا من المانيا المشتغل فيها منذ مدة بالفنون الحربية وحيث تأهب للسفر، كان الله معه. وقد مُدَّت فى يوم السبت من الأسبوع الماضى بسراية عابدين السنية مائدة من حضرة جناب الخديوى الأفخم دَعَى إليها كل من حضرات أعضاء عائلته الكريمة وأعاظم الأُمراء والمأمورين الملكية وأكارم ضباط الجهادية..” عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1، دار المعارف 2007 وكان مأمور الحملة الى الحبشة المرادي (قائد ميدان يعني) البكباشي أحمد عرابي (واللي هايبقا له شأن كبير فيما بعد قدام الخديوي توفيق) وصلت الحملة لميناء مصوع في اواخر يناير 1876، وبدأ القادة في الأتصال بالدناقل وشراء ولاءهم بالمال زي ما عمل محمد علي باشا في قتاله ضد الوهابيين زمان (للمزيد من هنا)، في حين بدأ يوحناس الرابع في حشد الأحباش ضد الجيش المصري بإعلانه ان الحرب دينية وقتال مقدس لحماية المسيحية في اراضي الحبشة!.. فاستطاع حشد أكثر من 25 ألف مقاتل (المصادر الأثيوبية بتقول 100 ألف!) بقيادة ألولا شلاقة قائد معركة جونديت، ومعاه الأنجليزي جون كريكهام قائد للمدفعية، واللي استطاعوا مهاجمة الجيش المصري في سهل جورا وتطويقه من جميع الجهات وقصف اغلب قواته بالمدفعية، وإعمال القتل في باقي القوات باستخدام اسلحة تعتبر بدائية شوية بالنسبة لأسلحة الجيش المصري، ووقع كتير منهم في القتل بسبب الأنسحاب العشوائي، ومن المنسحبين (أو الهاربين) من ميدان القتال كان الجنرال وليم لورانج وحسن باشا ابن الخديوي وكتير من القادة الأمريكان، وفي صباح اليوم التالي قرر الأحباش التخلص من 600 اسير مصري قبل العودة من ميدان القتال فقتلوهم بدم بارد.

ونسيب البكباشي أحمد عرابي يكلمنا شوية عن انباء معركة جورا، اللي شهدها بنفسه وتقريبا ماحدش من المؤرخين المصريين اتكلم عنها غيره، بيقول عرابي:

” لما سارت حملة الجيش المصرى إلى الحبشة كنت أنا العبد الفقير إلى الله مأمورا لهذه الحملة فى عهدتى عشرة آلاف حيوان من الجمال والخيل والبغال وأغلبها أخذته الحكومة من المصريين غصبا وبلا ثمن، هى وعلفها من الفول والشعير والذرة والتبن، الذى أخذته الحكومة أيضا من الأهالى بلا عوض.. كان الخديوى إسماعيل قد أسند قيادة الحملة إلى راتب باشا سردار العساكر المصرية وأمره بصفته قائد عموم الحملة بأن يكون مقيدا برأى خواجة أمريكى هو الجنرال لورنج رئيس أركان حرب العساكر المصرية كما كان معظم رجال أركان الحرب معه من بنى جلدته “الأمريكية” أما جميع الآلايات (الكتائب يعني) فمن الأمراء والباشاوات والجركس إلا واحدا فقط يدعى محمد بك جبر، لا وزن لرأيه معهم ولا اعتناء “ مذكرات أحمد عرابي – طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة 2011 ورجعوا المتبقيين من (مجزرة) جورا الى مدينة مصوع في شهر مايو 1876 ومنها الى ركبوا الى ميناء السويس، استقبلهم الخديوي اسماعيل في سرية تامة عشان يضمن ان ماحدش فيهم يتكلم في الموضع دا بعد فقدان الحملة لأكثر من 8500 جندي مابين قتيل أو مفقود في اراضي الحبشة!.. بالأضافة لخساير مادية تفوق 3 مليون جنيه. وحاول اخفاء خبر الهزيمة المنكرة على المصريين والأوروبيين عشان مايفقدش مصداقيته ولا احترامه في عيون شعبه وعيون ملوك وامراء اوروبا والديانة اللي أصبحوا بيطاردوه في كل محفل سياسي، وبتحصل مشكلة كبيرة بين الخديوي ومشايخ الأزهر اللي بيتهمهم ان دعواهم ماكانش مستجاب!.. وبينتشر الخبر طبعا وبيروح للباب العالي وبيكون أحد مسامير تم دقها في نعش الخديوي الى جانب الديون والتدخل الأجنبي في شئون مصر، وبيتم عزله عن حكم مصر وتوليه ابنه الخديوي توفيق في 1879م.

يوحناس الرابع نجاشي الحبشة الرأس علولا شلاقة

أما بقا في الحبشة وبعد الأنتصار الكبير، استطاع امبراطورها يوحناس الرابع توحيد بلاده والقضاء على المتمردين ضد حكمه لأول مرة في تاريخ الحبشة وحصل كمان على لقب أسد يهوذا وملك الملوك، كما حصل ألولا شلاقة قائد الجيش على لقب “أسد جورا” وتم منحه العديد من الأوسمة والشرف العسكري الأثيوبي. ولكن بالرغم من الأنتصارات الكبيرة للجيش الأثيوبي نلاقي ان اقصى ما استطاع انه يحققه من نجاح انه منع تقدم القوات المصرية داخل أراضيه، وكمان نجح في استعادة السيطرة على المدن اللي تم احتلالها قبل كدا لكن مافكرش انه يهاجم المدن والمواني اللي كانت تحت حكم المصريين في شرق السودان، وبالذات المواني اللي كان عايز يسيطر على واحدة منهم، وبرغم الهزيمة فضل الجيش المصري مسيطر على مواني ساحل البحر الأحمر الغربي من السويس لغاية بربرة في الصومال لغاية الغزو الأيطالي للحبشة في الحرب العالمية الأولى.

وعلى النطاق السياسي، تسببت الهزائم المنكرة في اضطراب العلاقات بين المصريين والأحباش لغاية العصر الحديث، وكمان أدت الى انفصال القيادة الروحية للكنيسة الحبشية عن الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية بعد تبعية لأكثر من 1800 سنة، وعلى النطاق الشعبي تكونت قطيعة بين الشعبين تمثلت في اساطير “سيف بن ذي يزن” في مصر واسطورة “هيلا ميكال” في الحبشة واللي بيحملوا كثير من الضجر ضد الشعبين!.. وبيرجع أحمد عرابي من الحبشة محملا بكثير من الضيق والحزن على الجيش المصري واللي اصابه، وبيتهم قادة الجيش الأمريكان بالخيانة، وبيوصف القتال في مذكراته بيقول:

” وفى هذه الأثناء، أى أثناء الثلاثة أشهر التى عسكر جنود الحملة فى بلدة مصوع قبل بدء القتال كان أحد المبشرين الفرنساويين فى بلاد الأحباش، يتردد كل يوم على الجنرال الأمريكى لورنج رئيس الأركان فى الحملة المصري أما السبب فقد ظل خفيا علينا، إلى أن اتضح جليا حينما فوجئنا عند بدء القتال يوم 13 سبتمبر 1876 بجميع الضباط الأوربيين والأمريكان يلقون طرابيشهم الرسمية على أرض القتال ويرتدون القبعات الإفرنجية ويربطون حول أعناقهم مناديل بيضاء كإشارة خفية كإشارة خفية تميزهم عن غيرهم من العساكر المصرية، وتحفظهم من الحراب الحبشية عند التلاحمات القتالية حيث أخذ عساكر يوحنا ملك الحبشة يضربون حرابهم المدببة فى عسكرنا المتعبة إلا من كان منا على رأسه قبعة أو حول عنقه منديلا أبيض أما من أسرع يركض بجواده للهرب فكان مثل راتب باشا قائد عموم الحملة المصرية وهو جركسى الجنسية، أو مثل حسن باشا ابن الخديوى الذى هرب هو الآخر على فرسه كالرهوان مع الجنرال الأمريكى رئيس الأركان بعد أن تسبب بخيانته لنا فى الهزيمة والخذلان.