خاير بك

من ويكيبيديا، الموسوعه الحره
روح على: استكشاف، تدوير

خاير بك من ملباى ،( صمصوم، جنب كرجستان، حوالى 1462 - القاهره، 5 اكتوبر 1522 )، اول نايب للسلطان العثمانى فى مصر ، لقبه سليم شاه ( سليم الأول ) بإسم " خاين بك " لخيانته للسلطان الغورى و عينه نايب ليه على مصر فى 1 سبتمبر 1517 بعد ما غزاها و احتلها الاتراك العثمانليه ، فإتلقب بـ " ملك الأمراء " و فضل نايب للمستعمرين العثمانيين على مصر لغاية وفاته فى 5 اكتوبر 1522. كان وقت غزو العثمانليه نايب الدوله المملوكيه فى حلب فى الشام لكن خان السلطان الغورى و كان عامل كبير فى انتصار العثمانيين فى معركة مرج دابق (اغسطس 1516) و احتلالهم الشام و بعد كده مصر فكافئه سليم الاول بتعينه نايب ليه فى مصر. شنق سلطان مصر الاشرف طومان باى على باب زويله. اتصف بالقسوه و الدمويه و كترة قتل الناس ظالمين على مظلومين. فى فترة نيابته أعدم حوالى 10 ألاف واحد. قتل الأمرا و عزل القضاه الأربعه و غير نظم المقاييس و الموازين و العمله و بدل قوانين مصر و حط مكانها قوانين تركيه جايره ، و ساب التركمان و الإنكشاريه و الأصبهانيه [1] و غيرهم يفسدوا و ينهبوا الناس ، و بقت اللغه التركى لغه الدوله و بيتنادى بيها فى شوارع مصر اللى حل عليها عصر من احلك عصورها.

وصفه ابن إياس اللى عاصره بإنه كان : " جبارا عنيدا عسوفا سفاكا للدماء، قتل فى مدة ولايته على مصر مالايحصى من الخلايق..وشنق وخوزق من الناس جماعة كثيرة، واقترح لهم أشياء فى عذابهم، فكان يخوزقهم من أضلاعهم ويسميه شك الباذنجان".

اصله

خاير بك كان شركسى من الأباظيه لكن مااتولدش فى بلاد الشركس لكن فى قريه اسمها " صمصوم " جنب " كرجستان " ( بلاد الكرج ) [2]، و كان ليه اربع اخوات هما كسباى و خضر و جان بلاط و قانصوه. ابوه " ملباى " اداهم للسلطان الأشرف قايتباى و بالتالى مامسهمش الرق. كسباى و خضر ماتوا فى عهد الأشرف قايتباى ، و جان بلاط اترقى لدرجة أمير ألف و مات فى عهد السلطان الناصر محمد بن قايتباى ، و قانصوه اللى اتعرف بإسم قانصوه المحمدى البرجى اترقى لمنصب نايب الشام و مات فى عهد السلطان الغورى.

الأشرف قايتباى ضم خاير لمماليكه فعاش فى طباق قلعة الجبل و اترقى لغاية ما بقى من المماليك السلطانيه ، و بعدين رقاه الأشرف و دخله فى المماليك الجمداريه ، و بعدين رقاه لمنصب خاصكى دوادار سكين ، و فى سنة 1495 فى عهد الناصر محمد بن قايتباى بقى أمير عشره و بعدين اترقى لدرجة أمير طبلخاناه ، و فى سنة 1497 بعته الناصر لملك الروم ( سلطان الاتراك العثمانيه ) بايزيد التانى بجواب ، و فى عهد السلطان جان بلاط اترقى لدرجة أمير مائه مقدم ألف و هى أعلى درجات الإماره و راح الشام مع العسكر لمحاربة قصروه نايب الشام اللى اتمرد. اتسجن فتره فى قلعة دمشق لغاية ما أطلق سراحه السلطان العادل قايتباى اللى رجعه مصر و رجعله درجة إمارة ألف. فى عهد السلطان الأشرف الغورى اتعين حاجب الحجاب و فضل فى المنصب ده لغاية وفاة أخوه قانصوه المحمدى اللى كان نايب الشام فنقل السلطان الغورى الامير سيباى من نيابة حلب لنيابة الشام و عين مكانه ، لسؤ بخته ، خاير نايب على حلب ففضل فى المنصب ده من يوليه 1504 لغاية ما جيوش العثمانليه بقيادة سليم خان الأول غزت الشام سنة 1516.

خاين بك

سليم الاول احتل مصر سنة 1517 و عين خاير بك نايبه عليها.
السلطان الغورى غدر بيه خاير بك.

فى سنة 1512 اتولى ملك بلاد الروم فى الأناضول السلطان العثمانى سليم خان الأول ابن عثمان و ده كان سلطان بيحب الحروب و عايز يوسع نطاق الدوله العثمانيه فبقى بيتلكك على محاربة الدوله المملوكيه على أقل سبب فإتهم السلطان الغورى بإنه بيمالى الفرس أكبر أعداء العثمانليه وقتها ، و بإن مصر بتإوى المنشقين و المتمردين عليه. فى الفتره دى خاير بك كان بيتصل من حلب بسليم الأول و بيحرضه و بيشجعه على غزو الدوله المملوكيه و بيقوله تفاصيل عن نقط ضعفها. لما حس السلطان الغورى فى مصر بالخطر و ابتدا يجهز الجيش عشان يروح الشام للتصدى للعثمانليه كتب له خاير بك فى مارس 1516 عشان يحاول يمنعه من المجى لحلب. خرج السلطان الغورى بالجيش و قامت معركة مرج دابق فى شمال حلب فى 24 أغسطس 1516 خاير بك خان السلطان الغورى و لعب دور كبير فى هزيمته. خاير بك كان بيقود ميسرة جيش الغورى لكن لما قامت المعركه انسحب بقواته ، وقت ماكان جيش الغورى منتصر و العثمانليه بيتقهقروا ، و راح على حماه بعد ما نشر اشاعه بإن السلطان الغورى اتقتل ففتح ثغره فى جيش الغورى اللى إترج رجه كبيره و سادت الفوضى صفوفه و كانت مدافع العثمانليه قويه ففتكت بالجيش المضطرب و شتتته و اتصاب السلطان الغورى بصدمه فوقع من على حصانه و مات و ما بانلهوش اثر من يوميها.

بعد ما دخل سليم الأول حلب رجع خاير بك ليها و لبس اللبس التركى و حلق دقنه زى الأتراك فسماه سليم الأول " خاين بك " إكمنه خان السلطان الغورى و لعب دور كبير فى هزيمته ، و قبل ما يوصل سليم دمشق راح على هناك عشان يستقبله. نهب الأتراك دمشق و هجموا على بيوت الناس و طردوهم منها عشان يسكنوا فيها و بيحكى المؤرخ ابن طولون الصالحى : " و هجم العسكر عليها وعلى ضواحيها للسكنى، فأخرجت أناس كثيرة من بيوتها، ورميت حوائجهم ومؤنهم، وخرج جمع من النساء الحبال، وحصل للناس لم تقع لأهل دمشق وضواحيها قط " [3].

بعد ما استولى الاتراك على سوريا خاير بك حرض سليم الأول على انه يكمل المشوار و يستولى على مصر كمان فراح سليم على مصر و راح خاير بك معاه و خرج السلطان الجديد الأشرف طومان باى على راس جيش صغير قدر يجمعه بسرعه بعد ما الجيش الاصلى اتفرق و اتشتت فى الشام و قامت معركة فى الريدانيه ( العباسيه دلوقتى ) و استبسل طومان باى فى القتال بطريقه ملحميه بجيشه الصغير لكن فى الأخر اتغلب و اضطر ينسحب و دخل الغزاه العثمانليه القاهره و معاهم خاير بك و فضل طومان باى يقاوم و يشن حرب عصابات على جيش المحتلين لغاية ما هو كمان اتغدر بيه بعد ما استخبى فى البحيره عند شيخ من شيوخ العربان اسمه حسن بن مرعى كان لطومان باى جمايل و احسانات كتيره عليه ، لكن الشيخ خانه و غدر بيه و سلمه للعثمانليه. سليم الأول لما اتمسك طومان باى فرح و قال : الأن ملكنا ملك مصر " و بين اعجابه بشجاعته و مقاومته البطوليه و ما كانش عايز يعدمه و قال : " مثل هذا لا يقتل " [4] ، لكن خاير بك نصحه بإنه يعدمه عشان يخلص منه فشنقه على باب زويله و صرخ المصريين صرخه عظيمه لما اتشنق من حزنهم عليه ، و بكده انتهى تاريخ الدوله المملوكيه اللى صالت و جالت حوالى قرنين و نص من الزمان ، و ضاع من مصر استقلالها وبقت مجرد ولايه مستعمره من ولايات العثمانيين.

سليم الأول كان عين نايب ليه فى مصر هو يونس باشاه لكن بعد ما أعدم طومان باى شاله و عين مكانه خاير بك و سلمه خاتم النيابه فى 29 أغسطس 1917 و راح هو على دمشق و منها على مقر ملكه فى الأناضول فقعد خاير بك فى قلعة الجبل و ابتدت عملية نهب مصر و استنزافها و تحويل قوانينها و معاملاتها للقوانين و المعاملات التركيه العثمانيه و بقت اللغه التركيه مستعمله و بيتنادى بيها فى شوارع القاهره.

كتب ابن إياس :

زالت محاسن مصر من أشياء قد .:. كانت بها تزهو على كل القرى

نهب العثمانيه لمصر

دوريه إنكشاريه عثمانيه

عملية نهب مصر ابتدت طوالى بعد دخول سليم الاول القاهره يوم الاتنين 26 يناير 1517. عساكره طوالى هجموا على بيوت الناس و طردوهم منها عشان يسكنوا فيها هما، و هجموا على الجوامع و اقتحموا الجامع الأزهر و جامع احمد بن طولون و مدارس القاهره و ولعوا النار فى جامع شيخا و البيوت اللى حواليه و قعدوا يقتلوا فى الناس فى الشوارع و بقت الجثث مترميه فى شوارع القاهره و مصر القديمه و بيتقدر عدد اللى اتقتلوا بالمنظر ده بحوالى 10 تلاف انسان. و نهب العثمانليه الغلال عشان يأكلوا بيه حصنتهم فبقت الناس مش لاقيه العيش و دخلوا القرى و سرقوا مواشى و طيور الفلاحين ، و بيحكى إبن إياس اللى عاصر الأحداث ان عساكر العثمانيه كانوا جيعانين و نفسهم قذره .. وعندهم عفاشه زايده فى نفوسهم و قلة دين .. و كانوا همج زى البهايم [5] ، و انهم كانوا بيمسكوا الناس فى الشوارع و يقولوا لهم اشتروا نفسكم من القتل ، فكانوا بياخدوا من الناس مبالغ بيحددوها و ضاف : " وصارت أهل مصر تحت أسرهم " و إن " انفتحت للعثمانيه كنوز الأرض بمصر من نهب قماش وسلاح وبغال وعبيد وغير ذلك من كل شىء فاخر، و احتووا على أموال وقماش مافرحوا بها قط فى بلادهم، و لا استاذهم الكبير " [6]. و فك العثمانليه رخام قاعات القلعة و بيوت القاهره و نهبوا الكتب و المخطوطات اللى كانت موجوده فى المدارس ، و قبضوا على الصنايعيه و الحرفيين و التجار و الموظفين و غيرهم مسلمين على مسيحيين وفوقيهم اعداد من أعيان مصر و المشايخ و الفقهاء و رحلوهم على اسكندريه و نقلوهم بالمراكب من هناك بالنهايب على قاعدتهم استنبول اللى هى أصلاً كونستانتينوبل اللى نهبوها من البيزنطيين قبل ما يغزوا مصر بـ 64 سنه. المراكب نقلت المصريين على انطاليا و من هناك ودوهم على استنبول و فيه مراكب غرقت فى السكه كان منها مركب عليها 400 واحد من ضمنهم جماعه من أعيان مصر. بيقول ابن اياس عن موضوع نقل المصريين لإستنبول : " ولم تقاس أهل مصر شدة من قديم الزمان أعظم من هذه الشده، ولاسمعت بمثلها فى التواريخ القديمه ". فى استنبول كان شاويشيتهم بيحتالوا على مصريين من اللى أسروهم و نقلوهم على هناك و بيقولولهم انهم حا يهربوهم على مصر فى السر فكانوا بياخدوهم و فى السكه كانوا بيسرقوا فلوسهم و حاجتهم و يقتلوهم و ما كانش بيبان ليهم اثر. بيقول ابن إياس : " وقد فعلوا مثل ذلك بكثير من أهل مصر ممن كان بإسطنبول " [7].

سليم شاه خرب فى مصر تمن تشهر قضاها فى السكر وسط الصبيان المرد.

سليم الأول قعد يخرب فى مصر حوالى تمن تشهر وقضى الفتره دى فى لذاته و شرب الخمره و عيشته مع الصبيان المرد على حد قول ابن إياس ، و فى الأخر بعد ما خرب و نهب اللى قدر عليه ، لم العثمانليه عدد كبير من سكان القاهره و ربطوهم بالحبال من رقابيهم و ساقوهم بالضرب على ضهورهم بالكرابيج عشان يسحبوا المكاحل النحاس ( المدافع ) اللى كانت موجوده فى قلعة الجبل عشان يحطوها فى مراكب فى النيل لنقلها لإستنبول. سليم الأول عين خاير بك نايب ليه فى مصر فى أغسطس 1917 ، و فى 10 سبتمبر 1517 خرج سليم الأول بالطبل و الزمر من بيت ابن السلطان قايتباى وهو لابس قفطان أحمر فى موكب مشى قدامه خاير بك و الامرا و العسكر العثمانليه و راح على الشام. و بيتقال انه خرج من مصر و معاه ألف جمل محملين بالدهب و الفضه و التحف و الرخام و منهوبات كتيره جمعها فى فترة اقامته فى القاهره.

الخليفه العباسى القاهرى المتوكل على الله و عيلته كانوا كمان من ضمن الناس اللى نقلهم العثمانيين على استنبول و اخدوا منه الأثار النبويه و هى " البيرق و السيف و البرده " و مفاتيح الحرمين الشريفين و نقلوهم على استنبول مع بقية المسروقات. بنقل الحرفيين و الصنايعيه من مصر قلت الصنايع فى مصر و بيتقال اختفت منها 50 صنعه و من ساعتها دخلت مصر فى عصر انحدار صناعى و اتلاشى مركزها الحضارى ، و بنقل الخليفه العباسى و كبار رجال الدوله ضاع من مصر كمان مركزها الدينى و السياسى.

بيقول ابن إياس إن من العجايب إن مصر بقت نيابه بعد ماكان سلطان مصر أعظم السلاطين فى كل البلاد و حاوى مُلك مصر اللى افتخر بيه فرعون لما قال : أليس لى ملك مصر ، و اتباهى بملك مصر عن كل ممالك الدنيا ، وضاف : " ولكن ابن عثمان انتهك حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها واظهر أهوالها " [8].

مشى سليم الأول من مصر و ساب لخاير بك 5000 خيال و 500 من ضريبة البنادق عشان يساعدوه فى تكميل عملية النهب و عشان يحول مصر لمستعمره تركيه بإسم ولايه و دى كانت مهمه نجح فيها خاير بك نجاح كبير. الطوايف اللى سابها سليم الاول فى مصر كان منهم التركمان و الانكشاريه والأصبهانيه و الكموليه و دول كانوا فئات متصارعه و اتنافسوا فى عمليات نهب مصر. العربان كانوا طايفه تانيه موجودين فى مصر قبل الاحتلال العثمانى و دول استمروا فى الإعتداء على القرى و قطع الطريق على الفلاحين المصريين ، و انتهزوا فرصة دخول العثمانليه مصر و إضطراب الاوضاع فزودوا هجماتهم و خربوا و نهبوا غالبية قرى الشرقيه بزعامة شيخهم وقتها عبد الدايم بن بقر شيخ العرب [9].

نقل ابن إياس عن شاعر قوله :

ما كنت أحسب أن يمتد بى زمنى .:. حتى أرى دولة الأوغاد والسفل

ملك الأمراء خاير بك

خاير بك من ملباى اللى اتلقب بملك الأمراء كان راجل ابيضانى طويل و رفيع و شكله كويس و بيتكلم بالعربى بفصاحه و كان خمورجى و بيحب يسمع مزيكا.

سليم الأول كان ليه بالنسبه لمصر هدفين ، الاولانى ضمان ان مايظهرش حد يتمرد و يستقل بمصر ، و التانى جباية دخل سنوى كبير من مصر للعثمانيه. مع ان خاير بك ماكانش عثمانلى لكن من أمرا الجراكسه و خاين لسلطانه و سليم خان نفسه كان بيسميه " خاين بك " لكن سليم وثق فيه و شاف انه الراجل المناسب للمرحله.

ابتدا خاير بك مهمته يوم الحد 6 سبتمبر 1517 بطلوعه قلعة الجبل بعد ما مشى فى موكب كبير فى شوارع القاهره ومشيت قدامه العسكر العثمانليه. و طوالى وزع المناصب و الوظايف فعين واحد من مماليكه اسمه " كمشبغا " والى على القاهره و عين " الزينى بركات " فى كذا وظيفه منها مدبر للنيابه وناظر للحسبه و للذخيره و للبيمارستان المنصورى و غيرها فبقى حاجه زى عزيز مصر زمانه. و تانى حاجه عملها خاير بك انه اتجوز خوند مصر باى أرملة السلطان الظاهر قانصوه فطلعت عاشت معاه فى القلعه. لكن قبل ما يتهنى ثارت عليه جماعه من العساكر الانكشاريه اللى سابهمله سليم الأول و طالبوه بإنه يزود لهم الجامكيه و يقبضهم زى المماليك ما كانوا بيقبضوا و يديهم لحمه و عليق زيهم ، فقالهم انه حا يبعت للسلطان سليم يسأله فى الموضوع ده و بعت الأمير قايتباى نايب الكرك لسليم عشان يسأله يدفع لهم كام ، لكن العثمانيه فضلوا يلحوا على خاير بك انه يزودلهم مرتباتهم فقالهم : " انا سلطان عشان افرق عليكم الإقطاعات ؟ ابعتوا قولوا لأستاذكم يفرق عليكم الإقطاعات و يديكوا جوامك و لحمه و عليق " فإتغاظوا منه و شتموه و كانوا حايقتلوه لكن قدر يهرب منهم بسرعه ، فراحوا على خير الدين نايب القلعه فقفل ابواب القلعه و استخبى. فى 20 رمضان 923 / 6 اكتوبر 1517 عمل خاير بك أول مواكبه فى القاهره فدخل من باب النصر و قدامه حوالى ألفين من العثمانليه و اترجت القاهره و اتجمعت الناس للفرجه.

مهمة خاير بك كانت توطيد الحكم العثمانى و تحويل النظم و القوانين فى مصر للنظم و القوانين التركيه العثمانيه. أول حاجه اتغيرت كانت الخطبه بإسم سليم الأول فى الجوامع " وانصر اللهم السلطان المظفر سليم شاه " و ظهور فلوس جديده منقوش عليها اسمه و خروج المحمل المصرى للحجاز بإسمه. بطلت الاحتفالات اللى كانت بتتعمل ايام الدوله المملوكيه فى الموالد و الاعياد و بيقول ابن إياس : " وبطل اشياء كثيرة من شعار المملكة مما كان يعمل للسلاطين الماضية فى الأعياد ، وصارت مصر لا يعرف لها نظام مما كان يعمل به " ، و نعى أعياد مصر بقوله:

لهفى على أعياد مصر كيف قد .:. بطلت تشاريفا بها ومثمرا

فوق كده حصلت فى مصر تغييرات تانيه كان منها ظهور اللغه التركى فى شوارع القاهره فبقت قرارات خاير بك بيتنادى بيها فى الشوارع عن طريق اتنين مناديه و احد بينادى بالتركى و التانى بينادى بالعربى ، و رواج الإعدام بالخازوق. خاير بك اتفنن فى استعمال الخوازيق و عمل نوعيه من الخوازيق بتدخل فى ضلوع الضحايا و كان بيسمى النوعيه دى " شك البتنجان ". خاير بك حكم بالحديد و النار و كان بيصدر قرارات بإعدام ناس على حاجات بسيطه ما تستحقش الإعدام زى مثلاً واحد سرق خيارتين من أرض مزروعه ، و بيقول ابن إياس انه كان بيحكم على الناس بالإعدام و هو سكران و بالطريقه دى أعدم أعداد كبيره جداً من الناس. و من الحاجات الغريبه اللى عملها انه نادى فى القاهره بإن كل اللى عنده كبش نطاح يطلع بيه القلعه عشان يناطح كباش تانيه فإستغربت الناس و استخفوا عقله.

العربان و العثمانليه النهابه

باب النصر ، أمر خاير بك بتعليق راس شيخ العرب حسن بن مرعى عليه.

زادت هجمات العربان فى الشهور الأولى من نيابة خاير بك و بقوا بيمثلوا مشكله كبيره ليه زى ما كانوا مشكله على امتداد العصر المملوكى ، و فى 3 ديسمبر 1517 قدر شيخ العرب حسن بن مرعى اللى غدر بالسلطان الاشرف طومان باى و سلمه للعثمانليه انه يهرب من سجنه فى القلعه بالليل بعد ما برد قيوده و اتدلدل بحبل من سور القلعه و جرى ، فإتنكد خاير بك من الخبر و أمر بسرعة القبض عليه. حسن بن مرعى كان قبض عليه سليم الأول قبل ما يمشى من مصر و سجنه فى قلعة الجبل. بعد الحادثه دى بتلت تيام دخلت قبايل عربيه الجيزه و اتقاتلوا ، فراح لهم الأمير قايتباى الدوادار على راس تجريده من المماليك و العثمانليه عشان يطردهم من هناك لكن عدد العربان دول كان اكتر من عشرين ألف فإستدعى الموضوع خروج خاير بك بنفسه على راس تجريده لكن و هو فى السكه اتخانق مع العثمانليه فخاف منهم و رجع على القلعه ، و فى 22 ديسمبر 1517 راح الأمير قايتباى على البحيره عشان يطرد العربان و يقبض على شيخ العرب حسن بن مرعى فهربوا للجبال ، وراح حماد أخو حسن بن مرعى للأمير قايتباى و طلب منه الأمان على اساس انه يسلمه حسن بن مرعى ، لكن لما اتضح للأمير قايتباى إن ده كله مكر من العربان قبض على حماد و بعته لخاير بك فسجنه و رجع الأمير قايتباى على القاهره من غير ما ينجح فى القبض على حسن بن مرعى ففضل هربان و مستخبى لغاية ما قدر كاشف الغربيه " أينال السيفى " إنه يستدرجه جنب سنهور فى مارس 1519 و يسكره و يقبض عليه هو و أخوه " شكر " ، فهجم عليهم المماليك و جزوا روسهم و علقوها على حصان طومان باى اللى كان شيخ العرب حسن بن مرعى سرقه بعد ما غدر بطومان باى و خانه ، و بيتقال ان المماليك قطعوهم حتت و فيه منهم شربوا من دمهم ، و دخل حصان الشهيد طومان باى القاهره فى 23 مارس 1519 و روس الخونه متعلقه فى رقبته فأمر خاير بك بتعلقيها على باب النصر ، وخرج اهل طومان باى يتفرجوا عليها و يتشفوا فيها و زغرتت الستات من الفرحه لأخد التار من الخونه [10].

العثمانليه كمان استمروا فى الفساد و النهب و كانوا بيدخلوا الأحياء زى حى الأزبكيه و يخلعوا الابواب و الشبابيك الحديد ويحطوها على جمال و يبيعوها ، و استمروا فى خطف الستات و الصبيان و قتل الناس فى الشوارع ليل نهار لغاية الناس مابقت مرعوبه منهم ، فراح أمين قضاة مصر مع الأمير قايتباى لخاير بك فى القلعه و حكوا له على اللى بيحصل فنادى خاير بك فى القاهره بمنع خروج الستات و الصبيان المرد من بيوتهم و ان الدكاكين و الأسواق تقفل بعد المغرب و ماحدش يمشى فى الشوارع بعد المغرب.

فى مارس 1518 طلع المصريين اشاعه بإن خاير بك ناوى يستقيل بمصر و يخلى الخطبه و الفلوس بإسمه ، و بيحكى ابن إياس أن المصريين فى الفتره دى بقوا بيختلقوا حكايات و بيروجوا اشاعات و اكاذيب. خاير بك بطبيعة الحال كان وفى لولى نعمته سليم الاول و كان مبسوط بمنصبه كنايب للسلطان العثمانى على مصر و مالهوش تطلعات اكبر ، لكن المصريين كانوا من الكرب اللى عايشين فيه بيخترعوا حكايات وهميه.

فى الشام لغى سليم الأولى نظام القضاه الأربعه و خلى بس القاضى الحنفى يحكم بين الناس زى ما فى استنبول. خاير بك فى مصر طوالى أمر القضاه الأربعه بتقليل عدد نوابهم و ده كان بداية تغيير مهم بيتحضر له. تغيير تانى حصل كان ظهور موظف تركى بيقعد على دكه على باب المدرسه الصالحيه بين جماعه من الانكشاريه و بيسموه محضر. مهمة المحضر ده كانت إن أى قضيه لازم الاول تتعرض عليه قبل ما تتعرض على قضاة مصر و لو اصدر حكم فمش من حق القضاه انهم يعارضوه. المحضر ده كان بياخد أتعاب من الشاكى و المشتكى و كان بيكلمهم عن طريق مترجم تركى ، و فوق كده فرض العثمانليه ضرايب على القضايا اللى بتترفع فى نواحى مصر. عن موضوع المظالم الجديده دى نقل ابن إياس قول شاعر :

يارب زاد الظلم و استحوذوا.:. والفعل منهم ليس يخفى عليك

المظالم و تغيير عادات مصر

مظالم الاتراك العثمانليه ما حلتش على البنى أدمين بس لكن كمان ابتلى بيها الكلاب ، ففى 20 ابريل 1518 ظهرت المناديه فى شوارع القاهره بإن خاير بك أصدر قرار بإن كل واحد يشوف كلب يقتله و يعلقه على دكانه فبدأ التركمانيه يقتلوا الكلاب و يوسطوها ( يعنى يقطعوها نصين ) بسيوفهم فى الشوارع و اتقال ان فى يوم صدور القرار قتل التركمانيه اكتر من 500 كلب. فضل التركمان يقتلوا فى الكلاب بطرق وحشيه لغاية ما راح الزينى بركات المحتسب لخاير بك و شفع فى الكلاب فنادى المناديه فى الشوارع بوقف قتل الكلاب و إن كل اللى مسك كلب يسيبوه يروح لحال سبيله ففرح المصريين و دعوا للزينى بركات انه وقف المدبحه و خلص الكلاب و هديوا. عن نكبة الكلاب كتب ابن إياس :

تأملوا ما جرى بمصر .:. من حادث عم بالعذاب

نادرة رجوع السلطان الغورى

من الحوادث الغريبه اللى حصلت سنة 1518 كان ظهور راجل فى القاهره فى 27 ابريل قال انه السلطان الغورى و انه حى يرزق ماماتش و صدقته غالبية الناس و انتشر فى القاهره إن السلطان الغورى ما ماتش و رجع مصر ، فلما سمع خاير بك بالموضوع أمر بالقبض عليه فلما مسكوه و جابوهوله اتضح له انه راجل نصاب كان نصب عليه قبل كده ايام ما كان نايب حلب و قاله انه السلطان قانصوه خمسمئه و الناس صدقته فى حلب فعاقبه خاير بك اياميها بالضرب و قطع مناخيره ، و بعدين راح مصر و قال انه الأمير محمد بك قريب السلطان الغورى فقبض عليه السلطان الغورى و ضربه و سجنه و فضل فى السجن لغاية السلطان الغورى ماإختفى فى الشام بعد معركة مرج دابق فأفرج عنه الأشرف طومان باى. خاير بك غضب و قاله : " أنا ما قطعت أنفك بحلب، وقلت لى إنك تبت من الكذب على الملوك ؟ " ، و نزلوه من القلعه و ربطوه فى ديل حصان و سحلوه لغاية باب الشعريه و المناديين بينادوا : " هذا جزاء من يكذب على الملوك " ، و خرجت الناس تتفرج و احتشدوا و قعدوا يقولوا : " دول مسكوا السلطان الغورى ". فى باب الشعريه العسكر كلبوه على الباب و فضل عايش تلت تيام فلما عرف خاير بك انه ماماتش من التكليب أمر بإنهم ينزلوه و يوسطوه فوسطوه و دفنوه.

زوال مباهج مصر

فضل المحتلين العثمانيين يغيروا احوال مصر و عاداتها بطريقه منهجيه عن طريق وكيلهم الوفى خاير بك ، فى 13 نوفمبر 1518 اصدر خاير بك قرار بمنع خيال الضل و الغنا فى الشوارع و منع زفة العرسان بعد العشا و منع فتح الاسواق بعد المغرب ، و ده كان بحجة ان العثمانيه بيخطفوا الستات و الصبيان من الشوارع ، و وقف تفريق اللحمه فى عيد الأضحى على الأمرا و العساكر و الفقها و الموظفين زى ما كان الحال أيام الدوله المملوكيه ، و بكده ابتدت مباهج مصر اللى اتميزت بيها على كل البلاد تختفى ، و بيقول ابن إياس :" وصار على الوجوه خمدة ". لما حد كان بينتقد قرارات خاير بك كان بيقولهم : " أنا ما أمشى إلا على طريقة ابن عثمان ( يعنى السلطان سليم ) فى سائر أفعاله " ، و مع تغيير عادات مصر فضل الأتراك فى نفس الوقت يفتحوا على المصريين أبواب المظالم شويه شويه. خطف العثمانليه للستات و الصبيان و اغتصابهم بقى حاجه منتشره و ما بقيتش الناس عارفه تعمل حاجه ، و بيحكى ابن إياس : " حتى قيل إنهم خطفوا امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية وقت الظهر، وفسقوا بها جهاراً عند سبيل المؤيدية تحت دكان الذى يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها ولم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم ". و غير خطف الستات و الصبيان كانوا بيقطعوا الطريق على الناس و بيسرقوا غنمهم و بقرهم و فراخهم و غيرها وبيسرقوا بضايع البياعين البسطا اللى بيبيعوا حاجات زى الجبنه و البيض و السمنه و " صارت أهل مصر معهم فى غاية الضنك من كل وجه " [11] و ده فى الوقت اللى كان خاير بك عمال يصدر قرارات و يعدم فى الناس على اتفه الاسباب ايشى بالشنق و ايشى بالتوسيط و ايشى بالتخزيق.

ايام سليمان الأول

سليمان الأول (القانونى) خلف أبوه سليم شاه.

فى 31 اكتوبر 1520 وصل قاصد من استنبول و معاه مرسوم لخاير بك من عند السلطان سليمان ابن سليم شاه بلغه فيه ان السلطان سليم شاه اتوفى و ان سليمان بقى السلطان الجديد فحزن خاير بك و بعت اتنين ينادوا بالتركى و اتنين ينادوا بالعربى فى الشوارع : " ترحموا على الملك المظفر سليم شاه، وادعوا بالنصر للملك المظفر سليمان " ، فقالت الناس : " سبحان مهد الجبابره " ، وأمر خاير بك بالصلا على سليم شاه صلاة الغيبه فى جامع القلعه و كل جوامع القاهره و الخطبه على المنابر بإسم السلطان سليمان ، و راحت جماعه من الانكشاريه على حارة زويله اللى ساكنين فيها اليهود عشان ينهبوها إكمن بيتقال إن العاده عندهم انهم ينهبوا حارات اليهود لما يموت سلطانهم لكن خاير بك منعهم فغضبوا منه و هددوا بإنهم حا ينهبوا كل القاهره لكن خاير بك قدر يسيطر عليهم بعد ما دفع لكل واحد فيهم تمانين دينار ، فلما سمع الأصبهانيه بالموضوع راحوا لخاير بك و قالوه له انه لازم يدى كل واحد منهم تمانين دينار زى ما إدى الانكشاريه، فرد عليهم " الانكشاريه مماليك الخندكار ( يعنى السلطان ) و أنتم خدامه بجوامك ( يعنى مرتزقته بأجور )، وما عندى مال أنفقه عليكم " ، فمشيوا من عنده و هما زعلانين و قرروا انهم ينهبوا الزينات اللى كانت متعلقه فى القاهره بمناسبة تنصيب السلطان سليمان ، ففكت الناس الزينات بسرعه و حصلت اضطرابات فى الشوارع.

تمرد نايب الشام

جان بردى الغزالى هو كمان خان السلطان الغورى فكافئه سليم الأول بتعينه نايب على الشام لكن لما سليم مات استغل الغزالى الفرصه و إستقل بالشام و اتسلطن و اتلقب بالملك الأشرف و بعت جواب مع خشقدم اليحياوى لخاير بك طلب فيه منه انه يعمل زيه و يستقل بمصر ، فإتخض خاير بك الوفى لأولياء نعمته العثمانليه و قبض على اليحياوى و بعته وهو مكبل بالحديد للسلطان سليمان فى استنبول مع جواب الغزالى ، و بيتقال انهم غرقوا اليحياوى فى البحر و هما مودينه بالمركب من اسكندريه على استنبول و ماظهرلهوش أثر بعد كده. خاير بك بقى قلقان و مش متطمن اكمن القيل و القال انتشروا كمان فى القاهره بخصوص سلطنة الغزالى ، فحصن قلعة الجبل و خزن فيها أكل و شرب و جاب الأمرا و خلاهم بحضور العثمانليه يحلفوا على مصحف قدام القضاه الأربعه بإنهم حا يطيعوا السلطان سليمان زى ما طاعوا ابوه سليم شاه ، و بعت المناديه فى الشوارع ينادوا بالتركى و العربى ان الناس تخليها فى حالها و ما تدخلش فيما لا يعنيها و تدعى للسلطان سليمان بن عثمان بالنصر. خاير بك ما اكتفاش بكده لكن ابتدى كمان يجهز العسكر عشان يروحوا يحاربوا الغزالى فى الشام لكن الاصبهانيه و الكموليه قالوله انهم مش حايروحوا يحاربوا نايب الشام من غير مرسوم من سلطانهم سليمان و ان مهمتهم هى القعاد فى القاهره و لو دخلها الغزالى حايبقوا يحاربوه ، فحصلت مشكله ما بين العسكر العثمانى و خاير بك ، و وصلت اخبار بإن الغزالى لم جيش كبير من الاكراد و عربان جبل نابلس و عربان بنى عطا و غيرهم و رايح بيهم على مصر. فى الغضون دى وصل قاصد من عند السلطان سليمان و معاه مرسوم تجديد نيابة خاير بك على مصر و جواب بيأمره فيه بإنه ما يخرجش بالعسكر من مصر لإن السلطان سليمان عمل تجريده كبيره رايحه تحارب الغزالى فى الشام. السلطان سليمان بعت جيش كبير على الشام ، و فى يناير 1521 قامت معركه جنب حلب ما بين العثمانليه و جيش الغزالى و اتغلب الغزالى و هرب على حماه فراحوا وراه فهرب تانى على دمشق و هناك عند القابون قامت معركه مهوله اتقتل فيها الآلاف من العربان و الشوام واتخربت و اتنهبت قرى كتيره و اتغلب الغزالى و اتأسر و أتعدم و اتبعتت راسه للسلطان سليمان فى استنبول. لكن المصريين زى عادتهم فى الزمن ده روجوا اشاعات بإن الغزالى ما اتقتلش و انه حى يرزق و ان الراس اللى اتبعتت للسلطان سليمان ماكانتش راسه. خرج منادية خاير بك فى شوارع القاهره ينادوا بالتركى و العربى : " معاشر الناس كافة إن كل من كان عنده مملوك من المماليك الجراكسة ممن كان عند الغزالى نائب الشام و أخفاه ولا يقر به، شنق على باب داره من غير معاودة ". بيقول ابن إياس إن الغزالى عمل غلطه انه راح يحارب الأتراك فى حلب عشان يحررها منهم بدل ما يروح على مصر ، فلو كان راح على مصر يحارب خاير بك كان قدر يغلبه و يستقل بمصر إكمن المصريين و الامرا و حتى العربان كانوا بيحبوه وكانوا حاينقلبوا كلهم على خاير بك [12].

الأتراك بعد هزيمة الغزالى سيطروا على الشام و عينوا نواب اتراك على مدنها بدل النواب المحليين اللى كانوا زى الغزالى من بقايا الدوله المملوكيه. و فى مارس 1521 وصل القاهره مندوب من عند السلطان سليمان بالخلعه فلبسها لخاير بك اللى شق القاهره المتزينه من باب النصر للقلعه فى موكب ضخم و هو لابسها و قدامه القضاه الاربعه و الامرا و العثمانليه و احتشدت الناس فى الشوارع للفرجه.

عثمنة مصر

اغا عثمانى.

استمرت عملية عثمنة مصر و تبديل احوالها فى كل حاجه ، و فى نوفمبر 1521 وصل مندوب من السلطان العثمانى و معاه دراع حديد و سنج نحاس و أرطال بطول و أوزان غير اللى كانوا مستخدمين فى مصر و اتنادى فى القاهره إن الأطوال و الأوزان الأسطنبولى دى حلت محل الأطوال و الأوزان المصريه و إن على التجار و البياعين انهم يمتثلوا للأوامر و ما يتعاملوش بغير الأطوال و الأوزان دى ، و إن اللى حايخالف مرسوم الخوندكار حايتشنق على باب دكانه. و بكده غير الأتراك نظم الأطوال و المكاييل فى مصر. اتعملت كمان ضريبه على الجواز و الطلاق على " اليسق العثمانى " فبقت ناس كتيره لا قادره تتجوز و لا تطلق من كترة المصاريف. بيقول ابن اياس : " فصار الذى يتزوج او يطلق تقع غرامته نحو أربعة أشرفية، فإمتنع الزواج والطلاق فى تلك الأيام، وبطلت سنة النكاح و الأمر لله فى ذلك " [13]. ابتدع خاير بك وظيفه جديده اسمها " مفتش الرزق الجيشيه " و عين فيها واحد اسمه " ابن الجاكيه " مهمته انه يدور فى دفاتر رجال الدوله و الناس عن اقطاعات و ممتلكات اخدوها من غير وجه حق ، الهدف كان بطبيعة الحال هو الاستيلاء على ممتلكات الناس مش العدل ، و بالطريقه دى حصلت مظالم كبيره و قدر مفتش الرزق ده انه يستولى على ممتلكات ناس كتيره كانت معاهم مكاتيب شرعيه ، بيقول ابن إياس : " وحصل للناس منه الضرر الشامل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم " [14].

فى ديسمبر 1521 نزل خاير بك مراته خوند مصر باى من القلعه و سكنها فى مدرسته اللى فى باب الوزير إكمن مراته أم عياله اللى كانت عايشه فى استنبول رجعها السلطان سليمان على مصر فحزنت خوند مصر باى اللى كان اتجوزها على مراته فى بداية نيابته على مصر. و فى 23 ابريل 1522 وصل سنان بك و ده كان امير تركى من المقربين لسليم شاه و كان والى انطاليا فبعته السلطان سليمان على مصر عشان يبقى أمين على خاير بك ، و خرج الاخير و استقبله استقبال كبير عند باب البحر فى بولاق و شقوا القاهره على حصنتهم و وراهم الطبل و الزمر فى موكب حافل اترفعت فيه الأعلام التركيه الحمرا فوق رووسهم.

سنة 927هـ / 1521م شافت اعدامات كتيره عملها خاير بك و معظمها كانت اعدامات ظالمه ، بيقول ابن إياس : " وفى هذه السنة قتل ملك الأمراء من الناس ما لا يحصى عددها بتوسيط وشنق وخوزقة، وأكثرها راح ظلما " [15].

عزل قضاة مصر

فى اول مايو 1522 وصل عسكر عثمانى من الاصبهانيه تحت قيادة أمير تركى اسمه خضر ، بعتهم السلطان سليمان عشان يحلوا محل زمايلهم اللى استدعاهم لاستنبول ، فخرج خاير بك لاستقبالهم و لما دخلوا القاهره هجموا على البيوت و ضربوا سكانها و طردوهم منها عشان يستولوا عليها و يسكنوا هما فيها. مع الاصبهانيه دول وصل قاضى تركى معاه مرسوم من السلطان سليمان بيقول ان القاضى ده شغلته اسمها " قسام " و معناها انه مسئول عن كل الاتراك فى مصر وان اوامره نافذه و مايحقش لحد معارضته و ان مرتبه حايكون عشر كل تركه بتدخل بيت المال ، و انه فوق كده حايكون المسئول عن عقود جواز كل المماليك الجراكسه و كل الاتراك بمعنى ان رسوم الجوازات دى تدفع له هو مش للقضاه المصريين وبكده ابتدى الاتراك ينتزعوا الوظايف من قضاة و مشايخ مصر ، و بيقول ابن إياس " و ملك الأمراء (خاير بك) يعينهم على ذلك الظلم، فأين المهرب ؟ " ، و ضاف :

رعاة الشاة تحمى الذئب عنها .:. فكيف إذا الرعاة هى الذئاب

بعدها بكام اسبوع وصل تركى تانى اسمه " جلبى " بمرسوم من السلطان سليمان بيقول انه قاضى العسكر وان السلطان قرر ابطال نظام القضاه الأربعه فى مصر و ان القاضى التركى " جلبى " هو المسئول عن الاحكام الشرعيه عن المذاهب الأربعه و ممنوع على أى حد من القضاه المصريين انهم يصدروا حكم شرعى من غير العرض على قاضى العسكر التركى. لما خاير بك قرا المرسوم بعت للقضاه الأربعه و قالهم " ولا تتحدثوا فى الأحكام الشرعية قاطبة، حسبما رسم السلطان سليمان " ، يعنى عزلهم ، و بكده زال من مصر نظام القضاه الأربعه اللى كان عمله " الظاهر بيبرس " سلطان الدوله المملوكيه سنة 1262 و مشيت مصر و ارتاحت عليه لأكتر من قرنين ، و قعد القضاه الاتراك الجايين من استنبول مكان القضاه المصريين. من ناحيه تانيه، عزل القضاه الاربعه كان تطور خطير جداً حيث ان القضاه المصريين الأربعه دول كانوا بيعتبروا قوة الشريعه فى الدوله المصريه و كانت كلمتهم ليها وزنها و هى النافذه على سلاطين الدوله المملوكيه و السلطان ما كانش يقدر يمرر قانون من غير موافقتهم [16]، و وقت الحروب كانوا بيروحوا وياه لميدان المعركه. عزلهم كان معناه ان الاتراك العثمانليه بقوا متحكمين فى كل القوانين الشرعيه اللى بتصدر فى مصر من غير رقيب.

قهر ستات مصر

اتعرضت الستات و الصبيان للخطف و الاغتصاب على ايد الاتراك العثمانليه. و عشان يزيد قهر الستات و اذلالهم كمان و كمان غير قاضى العسكر التركى قوانين الجواز و المهر و الصدقه فى مصر بطريقه مجحفه فى حق الستات ، و بعد ما كانت الست المصريه محترمه و موقره فى العصر المملوكى لدرجه كانت بتدهش الأغراب و لدرجة ان ست وصلت فيه لمنصب " سلطانه " ، ابتدى عصر قهرها و ذلها مع بقية المصريين ، التركى برر فرض قوانين الأناضول الرعويه على المصريات بقوله : " قصدى أمشى نساء مصر على طريقة نساء اسطنبول مع أزواجهن، فإن عادتنا إذا دخل الرجل على زوجته تعطيه نصف المهر الذى أعطاه لها، و أن الرجل لا يقرر لزوجته كسوة ولا نفقة فى صداقها، بل يكسيها هو فى كل سنة جوخه و قميصين، و يطعمها فى كل يوم بما يختار من قليل أو كثير، وتغزل وتكسى زوجها كل سنة ".

فى 12 يونيه 1522 بعت خاير بك و قاضى العسكر التركى المناديه ينادوا بالتركى و العربى فى شوارع القاهره إن خروج الستات للأسواق اتمنع بتاتاً و مصرح بس للعجايز و ان ممنوع على الستات انهم يركبوا حمار متأجر و ان الستات اللى حا يعصوا الأوامر حا يتضربوا و يتربطوا من شعرهم فى ديل حصان و يتلف بيهم فى شوارع القاهره. و بعدها بكام يوم اتعدل القانون بمنع الستات من الخروج من البيوت مش بس من روحان الأسواق و من ركوب الحمير المتأجره و ان لو مكارى ركب ست على حماره حا يتشنق [17].

اتحولت مصر لنهيبه و اتحول المصريين رجاله و ستات لعبيد مقهورين فى ايد المستعمرين الأتراك الجايين من الأناضول ، الستات و ولادهم بقوا بيغتصبوا و بتتعملهم قوانين مذله و بقى بيتحرم عليهم الخروج من بيوتهم ، و الرجاله حتى التجار و الفقهاء و غيرهم بقوا بيتخطفوا و بيتحطوا فى الحديد عشان يسرق الاتراك مراكبهم لنقل عساكرهم ، و بقوا الفلاحين عايشين فى رعب و بيستخبوا. فى أواخر يونيه 1528 خطف الأتراك أكتر من ألفين مصرى و سجنوهم و ماتت منهم اعداد كبيره من الجوع و الحر. بيوصف ابن إياس : " ونزل على أهل مصر نازلة عظيمة بسبب ذلك لم يسمع بمثلها قط [18]. فى الأيام دى كان السلطان سليمان رايح يغزو جزيرة رودس و اتنادى فى القاهره بخروج عسكر المماليك الجركس لرودس لمساعدة الأتراك و ان اللى يتأخر فى الخروج حايتشنق ، و اضطربت احوال مصر اضطراب كبير.

وفاته

فى سبتمبر 1522 اتصاب خاير بك بورم طاعونى و احتباس فى البول فرقد فى السرير و مابقاش ينزل شغله و انتشر خبر عياه ، و لما عياه زاد بقى يدفع صدقات للأطفال عشان يدعوا له بالشفا. الأطبا اللى احتاروا فى عياه كانوا بيشقروا عليه يوماتى. على 2 اكتوبر مابقاش قادر يقوم من السرير و ظهرت عليه لوايح الموت فطلعوا قضاة القضاه يزوره لكن لقوه فى حاله وحشه و مش دريان بحاجه فقروله الفاتحه و مشيوا. لما زادت حالته عتق كل مماليكه و عبيده و جواريه ، و ادى مبلغ من الفلوس و عشرتلاف اردب قمح للزينى بركات المحتسب و طلب منه انه يفرقهم على المجاورين فى جامع الأزهر و الزوايا و مجاورين مقامات الإمام الشافعى و الليث و يفرق الباقى على الغلابه و المساكين و الناس اللى عليها ديون ، و فى يوم الجمعه 3 اكتوبر أمر بإطلاق سراح مساجين من سجن الديلم و سجن الرحبه و ما سابش فى السجن غير الحراميه و اللى قتلوا. بيقول ابن إياس : " ولم يروا الناس فى أيام ملك الأمراء (خاير بك) أحسن من هذه الأيام، فإنه جاد مع الناس وبر الفقراء والمساكين، ولم يعرف الله إلا وهو تحت الحمل، فلم يفده من ذلك كله شىء ". فى يوم السبت 4 اكتوبر دخل خاير بك فى النزع الأخير فجاب سنان بك العثمانى و سلمه خاتم الملك اللى اداهوله السلطان سليم و قاله : " انت تبقى تكون النايب على مصر بعدى " ، و وصاه على عياله و اهله و حاشيته و مماليكه و غيرهم. بعد ما مشى سنان بك ابتدا خاير بك يخطرف و يقول : " فين المال ؟ فين الملك ؟ ". بخصوص ده بيقول ابن إياس إن الدنيا فتنت خاير بك زى ما فتنت اللى قبله و دون قول الشاعر :

قد نادت الدنيا على نفسها .:. لو كان فى العالم من يسمع

كم واثق بالعمر خيبته .:. وجامع بددت ما يجمع

فى يوم الحد 5 اكتوبر 1522م / 14 ذى القعدة 928هـ اترجت القاهره بنبأ وفاة ملك الأمرا خاير بك و هو عنده حوالى ستين سنه. تانى يوم جهزوه للدفن و صلوا عليه عند باب القله و مشى العسكر العثمانى و الامرا الجراكسه و المماليك قدام نعشه و صلى عليه القضاه الأربعه عند باب الوزير و اتدفن جنب اخواته فى المدرسه اللى بناها.

خان خاير بك سلطانه قانصوه الغورى خيانه عظمى و اتسبب فى هزيمته و احتلال الأتراك للشام و بعدين مصر نفسها. اتسبب خاير بك فى سقوط الدوله المملوكيه و خراب مصر و وقوعها فى براثن الاحتلال الأجنبى فكان خاين غير مجرى التاريخ ، و خدم اولياء نعمته سليم خان و سليمان خان خدمات كبيره و وطد حكمهم فى مصر بكل إخلاص فى مدة نيابته على مصر اللى استمرت خمس سنين و تلت تشهر و سبعتاشر يوم.

بيقول ابن إياس إن خاير بك كان " ملكا جليلا معظما كفوا للسلطنة، عارفا بأحوال المملكة، ولولا ما حصل فى أيامه من المظالم والحوادث المقدم ذكرها لكان خيار من ولى على مصر ".

مات خاير بك و ساب وراه تلت ستات هما خوند مصر باى ، و جان حبيب ، و أم عياله اللى كانت فى استنبول ، و خلف عدد من الصبيان و البنات. بعد ما مات لقوا انه كان مكوش على ثروه ضخمه مع انه كان بيبخل على مماليكه فى دفع جوامكهم. مسك النيابه بعده التركى سنان بك مؤقتاً لغاية السلطان سليمان ما بعت مصطفى باشاه عشان يكمل المشوار اللى بداه خاير بك فى توطيد الحكم التركى العثمانى و اخراج مصر من التاريخ.

عن موت خاير بك كتب ابن إياس :

اعجبوا من نائب فى مصرنا .:. خانه الدهر وجازاه العمل

فهرست

  1. الأصبهانيه : فرقه مرتزقه فى الجيش العثمانى.
  2. صمصوم : مدينه على ساحل البحر الاسود فى شمال تركيا دلوقتى.
  3. ابن طولون، 34/2
  4. ابن زنبل، 240 و 254
  5. ابن إياس، 208/ج5
  6. ابن إياس، 151/ج5
  7. ابن إياس، 404/ج5
  8. ابن إياس، 206-207/ج5
  9. ابن إياس، 221/ج5
  10. ابن إياس، 295-296/ج5
  11. ابن إياس، 292-294/ج5
  12. ابن إياس، 422/ج5
  13. ابن إياس، 418/ج5
  14. ابن إياس، 424-425/ج5
  15. ابن إياس، 426/ج5
  16. حسين فوزى، 42
  17. الست المصريه فى العصر المملوكى قبل ما تتنكب مصر بعثمانية الأناضول ماكانتش منغلقه أو منزويه لكن كانت بتخرج تشترى و تتفسح و كانت بتكلم البياعين الرجاله و تهذر معاهم و تساومهم بطريقه عاديه ، و ساعات جوزها كان بيروح معاها و يسيبها تتسوق براحتها و يروح هو يشترى احتياجاته ، و العاده ان الست المصريه هى اللى كانت بتشترى لجوزها هدومه. و عادة الراجل ما كانش بيقدر يمنع مراته من الخروج للتسوق و لو حصل " لوقع التشويش بينهما، وقد يئول الأمر إلى الفراق " زى ما كتب المؤرخ ابن الحاج. الست المصريه كان ليها مكانه محترمه فى المجتمع المصرى و كانت هى المسئوله عن بيتها و بتديره من غير تدخل الراجل. من أسماء الستات اللى كانت منتشره أياميها أسامى زى " ست الكل " و " ست الناس " و " ست الخلق ".
  18. ابن إياس، 464-465/ج5

المراجع

  • ابن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
  • ابن اجا، محمد محمود الحلبى : العراك بين المماليك والعثمانيين الأتراك، دار الفكر، دمشق 1986.
  • ابن زنبل، أحمد الرمال : واقعة السلطان الغورى مع سليم العثمانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1998.
  • ابن الوكيل، يوسف الملوانى : تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب، دار الافاق العربية، القاهرة 1999.
  • ابن طولون الصالحى، شمس الدين : مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، دار الكتب العلمية، بيروت 1998.
  • حسين فوزى : سندباد مصرى، جولات فى رحاب التاريخ، دار المعارف، القاهرة 1990.
  • محمد زيد بك : تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق احسان حقى، دار النفائس، بيروت 1981.